ثم قال رحمه الله تعالى في تمام كلامه ما هذا لفظ ما وقفناه عليه فإن عولوا في ذلك على التجربة فإن جربنا ذلك ومن كان قبلنا فوجدناه على هذه الصفة وإذا لم يكن موجبا فيجب أن يكون معتادا قلنا لهم ومن سلم لكم هذه التجربة وانتظامها وأطرادها وقد رأينا خطأكم فيها أكثر من صوابكم وصدقكم أقل من كذبكم فألا نسبتم الصحة إذا اتفقت منكم إلى الاتفاق الذي يقع من المخمن والمترجم فقد رأينا من يصيب من هؤلاء أكثر ممن يخطأ وهم على غير أصل معتمد ولا قاعدة صحيحة فإذا قلتم أن سبب خطأ المنجم زلل دخل عليه من أخذ الطالع أو تسيير الكواكب قلنا ولما لا كانت إصابته سببها اتفاق للمنجمين وإنما يصح لكم هذا التأويل والتخريج لو كان على صحة أحكام النجوم دليل قاطع من غير إصابة المنجم فأما إذا كان دليل صحة الأحكام الإصابة فألا كان دليل فسادها الخطأ فما أحدهما إلا في مقابلة صاحبه فالجواب أن الجحود في الإصابة في الخسوفات والكسوفات وما جرى مجراهما من الدلالات لا يليق بمثل من كان دونه في المقامات العاليات وقد وافق على أن هذه الطرق الواضحة عرفت بالحساب وستأتي موافقته في أخر الجواب وهو كاف في دلالة النجوم وصحتها لذوي الألباب ولو كان خطأ العالم في بعض علمه فادحا في كله ما ثبت علم من العلوم إذ كلها وقع في بعضها خطأ وغلط كما قدمنا فأما قوله أن الإصابة تحتمل الاتفاق فقد ذكرنا عن الصادق"ع"في كتاب الأهليلجة وغيره فيما أسندناه إليه أنه يستحيل أن تكون دلالة النجوم بالاتفاق وبالتجربة أيضا وإنما هي معروفة من جانب الله جل جلاله وأما قوله أن صدقهم أقل من كذبهم وأن المخمن والمترجم صوابهم أكثر من خطأهم فما أعلم من أين أعتقد رحمه الله تعالى أن المخمن والمترجم من طريق يسلك فيها إلى تخمينه وترجيمه وجد صوابه أكثر من خطأه وأن أصحاب الحساب المبني على علم المعقول المستند أصله إلى علوم الأنبياء يكون دون المخمن والمترجم هذا مالا أحتاج إلى الجواب عنه وجوابه منه وأما قوله رحمه الله في جوابهم أن الغلط يكون من المنجم عند أخذ الطالع بأنهم يحتاجون إلى دلالة من غير ذلك فأقول في الجواب سوف تأتي الدلالة المحوجة إلى أن يكون الغلط من المنجم كما أحوجت الدلالة على صحة المذاهب المحقة الإلهية والنبوية وظهر أن الغلط كان منهم في ترتيب الأدلة فالحالة واحدة وأما قوله رحمه الله أن الغلط في مقابلة الإصابة فما أحدهما إلا في مقابلة صاحبه فهذا ما يرد عليهم في دلالة الكسوفات والخسوفات ولا في ذكرهم لأهلة الشهور وما يناسبها من كليات الأمور فلا ينبغي إطلاق القول المذكور وقد تقدم في السؤال أن السائل ذكر أنه لا يفسد من أقوالهم إلى القليل وهو شاهد لهم جليل مشهود له بالتعديل فتقابل دعواه بدعوة سائله
قال رحمه الله مما أفحم به القائلون بصحة الأحكام ولم يحصل عنه منهم جواب أنهم أن قيل لهم في شيء بعينه خذوا الطالع وأحكموا هل يؤخذ أو يترك فإن حكموا بالأخذ أو بالترك وفعل خلاف ما حكموا به فقد أخطأوا وقد أعضلتهم هذه المسألة والتعريف فالجواب أن هذه المسألة إنما تلزم من يقول أن النجوم علة موجبة فأما من يقول أنها ليست بفاعل مختار بل ورآها فاعل مختار قادر على خراب الفلك إذا شاء وعلى أن يمحو ما يثبت وينبت ما محى فإنه لا يلزمهم لأنهم يمكنهم أن يقولوا أن النجوم وإن دلت على فعل فإن الله فاعل مختار قادر على الترك والفعل لا يطلع على ما يريده سبحانه أحدا على ما ستر من أسراره فلا يحكم عليه بأنه جل جلاله يلزمه الاستمرار على فعله أو تركه بل يقولون هذا الفعل يقع بشرط الاختيار والله سبحانه عكس دلالاته وهذا الأمر يترك بشرط الاختبار والله تعالى عكس علامته كما نسخ الفاعل المختار الشرايع ومحا وأثبت وكان ذلك حكمة وصوابا
وأما من يقول أن النجوم دلالات وأن العبد فاعل مختار فإنه يقول يحتمل أنها تارة تدل بالله جل جلاله الفاعل المختار على شروط صحيحة لكن ورآها العبد وهو قادر على ترك الاستمرار عليها . فلا يلزمهم إنما أخبروا بفعله أنه يستحيل تركه من العبد ولا من أخبروا بتركه يختار خلاف ما دلت عليه وهذا وجه يدفع الشبهة التي ذكرها رحمه الله