ومن إصابات التنوخي ما حكاه ولده في الجزء الرابع من"النشوار"قال حدثني أبي قال كنت أتقلد القضاء بالكرخ وكان بوابي بها رجلا من أهل الكرخ وله ابن سنة نحو اثنتي عشرة سنة وكان يدخل داري بلا إذن ويمزح مع غلماني وأهب له في الأوقات الدراهم والثياب كما يفعل الناس بأولاد الغلمان ثم خرجت من الكرخ ورحلت ولم أعرف للرجل البواب ولا لابنه خبرا ومضت على ذلك السنون فأنقذني أبو عبد الله البريدي من واسط برسالة إلى ابن بويه فلقيته بدير العاقول وانحدرت أريد واسطا فقيل أن بالطريق لصا يعرف بالكرخ مستفحل الأمر وكنت خرجت بطالع اخترته على موجب تحويل مولدي لتلك السنة فاستظهرت به عند نفسي وكفاني الله أمر اللص وذلك أني لما عدت من دير العاقول خرج علينا اللصوص في عدة سفن بقسي ونشاب وسلاح شاك وهم نحو مائة نفس كالعسكر العظيم وكان معي غلمان يرمون فحلفت أن من رمى منهم ضربته إذا صرنا في البلد مائتي مقرعة ثم بادرت فأخذت ذلك السلاح الذي معهم ورميته في الماء وذلك أني خفت أن يقصدنا اللصوص فلا يرضون إلا بقتلي واستسلمت للأمر طلبا للسلامة في نفسي وجعلت أفكر في الطالع الذي خرجت فيه فإذا ليس فيه ما يوجب القطع علي و الناس قد أبرزوا إلى الشط وأنا في جملتهم وهم يفرغون السفن وينقلون ما فيها إلى الشط ويشلحون ويقطعون وكنت في وسط المكان فلما انتهى إلي الأمر جعلت أعجب من حصولي في الخوف والطالع لا يوجبه وليس آتهم عملي في هذا فأنا كذلك إذا سفينة فيها رئيسهم قد طرح علي كما كان يطرح على سفن الناس ليشرف على ما يوجد فحين رآني منع أصحابه من انتهاب مالي أو شيء من سفينتي وصعد وحده إلى أن صار قدامي وتأملني طويلا ثم انكب يقبل يدي وكان متلثما فلم أعرفه فعجبت وقلت يا هذا مالك فأسفر وقال أما تعرفني يا سيدي فتأمله وأنا جزع فلم أعرفه فقلت لا والله قال بلى أنا عبدك ابن فلان بوابك الكرخي هناك وأنا الصبي الذي ربيت في دارك فبررتني فتأمله فإذا الخلقة خلقته إلا أن اللحية قد غيرته في عيني فسكن روعي قليلا وقلت في الحال يا هذا كيف بلغت إلى هذا الحال قال سيدي نشأت فلم أتعلم غير معالجة السلاح وجئت إلى بغداد أطلب الديوان فما طلبني أحدا إلى هذا الحال فطلبت قطع الطريق فلو كان أنصفني السلطان وأنزلني بحيث أستحق من الشجاعة ما فعلت هذا بنفسي فأقبلت أعظه وأخوفه الله ثم خشيت أن يشق ذلك عليه فتفسد رعايته لي فاقتصرت فقال يا سيدي لا يكون بعض هؤلاء أخذ منك شيئا قلت لا ما ذهب منا السلاح رميته أنا في الماء وشرحت له القصة فضحك وقال والله قد أصاحب القاضي فمن بالمكان ممن يعني به فقلت كلهم عندي بمنزلة واحدة في الغم بهم فلو فرجت عن الجميع فقال والله لولا أن أصحابي تفرقوا بما أخذوا لفعلت ذلك ولكنهم لا يطيعون إلى رده ولكن ما بقي من السفن في المكان الذي لم يؤخذ بعد فلا يمسه أحد فجزيته الخير فصعد إلى الشط وأصعد أصحابه ومنع أن يؤخذ شيء مما في السفن الباقية فما تعرضها أحد ورد على القوم أشياء كثيرة مما أخذت منهم وأطلق الناس وسار معي في أصحابه إلى أن أوصلني إلى المأمن ثم ودعني ورجع