ومن المذكورين بعلم النجوم وصحة الحكم بها بوران بنت الحسن ابن سهل وقد وجدت من حديثا في مجموع عتيق ما هذا لفظه كانت بوران بالمنزلة العليا بأصناف العلوم لا سيما في علم النجوم فإنها برعت في درايته وبلغت أقصى غايته وكانت ترفع الإسطرلاب كل وقت وتنظر إلى مولد المعتصم فعثرت يوما بقطع عليه سببه الخشب فقالت لوالدها الحسن انصرف إلى أمير المؤمنين وعرفه أن الجارية فأنه قد نظرت إلى المولد ورفعت الإسطرلاب فدل الحساب والله أعلم على أن قطعا يلحق أمير المؤمنين بالخشب في الساعة الفلانية من يوم عينته فقال لها الحسن يا قرة العين وسيدة الحرائر أن أمير المؤمنين قد تغير علينا وربما أصغى إلى شيء بغير ما تقتضيه المشورة والنصيحة قالت يا أبت وما عليك من نصيحة أمامك لأنه خطر بروح لا عوض لها فإن قبلها وإلا فقد أديت المفروض عليك فجاء الحسن إلى المعتصم وأخبره بما قالت ابنته بوران فقال المعتصم للحسن أحسن الله جزاءك وجزاء ابنتك انصرف إليها وخضعا عني بالسلام وسلها ثانيا واحضر عندي في اليوم الذي عينته ولازمني حتى ينصرم اليوم ويذهب فلست أشاركك في هذه المشورة والتدبير بأحد من البشر قال فلما كان صباح ذلك اليوم دخل الحسن عليه فأمر المعتصم كل من كان في المجلس بالخروج وخلا به فأشار عليه أن ينتقل من المجلس السقفي إلى مجلس أزحبي لا يوجد فيه وزن درهم واحد من الخشب وما زال الحسن يحدثه والمعتصم يمازحه وينشطه حتى أظهر النهار وضربت نوبة الصلوات فقال المعتصم ليتوضأ فقال الحسن له لا يخرج أمير المؤمنين من هذا الموضع وليكن الوضوء والصلاة وما يريده فيه حتى ينصرم الوقت فجاء خادم ومعه المشط والمسواك فقال الحسن للخادم امتشط بالمشط واستك بالمسواك فقال وكيف أتناول آلة أمير المؤمنين فقال المعتصم ويلك امتثل قول الحسن ولا تخالفه ففعل فسقطت ثناياه وانتفخ دماغه وخر مغشيا عليه ورفع ميتا فقام الحسن ليخرج فاستدعاه المعتصم إليه واحتضنه ولم يفارقه حتى قبل عينيه ورد على بوران أملاكا وضياعا كان ابن الزيات سلبها منها
أقول ورأيت هذا الحكم من بوران في المجلد الرابع من أخبار الوزراء والكتاب تأليف أبي عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري فذكرته من الكتاب بلفظه قال حدثنا علي بن محمد بن العباس قال كان المعتصم منحرفا عن الحسن بن سهل وأصحابه وقد كان حاز كثيرا من أملاكهم فقالت بوران لأبيها الحسن بن سهل أني نظرت في حساب المعتصم فوجدته يدل على شيء يجب أن يحذر عنه في الوقت الذي ينكب من جهته وهو الخشب فاجتمع معها على النظر في ذلك فوجد الأمر على ما قالت لها لست آمن من انحرافه عنا أن لا يقع منه هذا موقعه فقالت اقض ما عليك وهو أعلم وما يختار فصار إلى باب المعتصم فاستأذن استئذان من يريد أن ينهي شيئا لما قيل قد انحرف فاستقبله على كره فلما وصل قدم تقدمة بذكرها يلزمه من النصح والصدق عما يقف عليه وعرفه ما وقف عليه من الحكم في النجوم فقلق المعتصم بذلك فقال له تأذن لي أن ألزمك إلى انقضاء الوقت فقال افعل فلزمه يومه وليلته إلى آخرها فلم يحدث شيء ينكره فلما كان وقت الصبح أقبل الخادم بالماء والوضوء والمسواك فنهض الحسن وقبض على المسواك فمنعه الخادم منه فقال الحسن ليس بد من أخذه فارتفع الكلام بينهما إلى أن سمعه المعتصم فقال أعطه المسواك فدفعه إليه فقال تقدم يا أمير المؤمنين لهذا الخادم أن يستاك بهذا المسواك ففعل . فلما استاك به وقعت ثناياه وأسنانه وسقط ميتا من وقته . وإذ المسواك مسموم فحمل بدفع ذلك عند المعتصم وكان ذلك سبب رجوعه إلى الحسن وأهله وذكر في أخبار المأمون أن بوران لقب فارسي وأن اسمها خديجة