فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 107

ومن المذكورين بعلم النجوم وصحة الحكم بها بوران بنت الحسن ابن سهل وقد وجدت من حديثا في مجموع عتيق ما هذا لفظه كانت بوران بالمنزلة العليا بأصناف العلوم لا سيما في علم النجوم فإنها برعت في درايته وبلغت أقصى غايته وكانت ترفع الإسطرلاب كل وقت وتنظر إلى مولد المعتصم فعثرت يوما بقطع عليه سببه الخشب فقالت لوالدها الحسن انصرف إلى أمير المؤمنين وعرفه أن الجارية فأنه قد نظرت إلى المولد ورفعت الإسطرلاب فدل الحساب والله أعلم على أن قطعا يلحق أمير المؤمنين بالخشب في الساعة الفلانية من يوم عينته فقال لها الحسن يا قرة العين وسيدة الحرائر أن أمير المؤمنين قد تغير علينا وربما أصغى إلى شيء بغير ما تقتضيه المشورة والنصيحة قالت يا أبت وما عليك من نصيحة أمامك لأنه خطر بروح لا عوض لها فإن قبلها وإلا فقد أديت المفروض عليك فجاء الحسن إلى المعتصم وأخبره بما قالت ابنته بوران فقال المعتصم للحسن أحسن الله جزاءك وجزاء ابنتك انصرف إليها وخضعا عني بالسلام وسلها ثانيا واحضر عندي في اليوم الذي عينته ولازمني حتى ينصرم اليوم ويذهب فلست أشاركك في هذه المشورة والتدبير بأحد من البشر قال فلما كان صباح ذلك اليوم دخل الحسن عليه فأمر المعتصم كل من كان في المجلس بالخروج وخلا به فأشار عليه أن ينتقل من المجلس السقفي إلى مجلس أزحبي لا يوجد فيه وزن درهم واحد من الخشب وما زال الحسن يحدثه والمعتصم يمازحه وينشطه حتى أظهر النهار وضربت نوبة الصلوات فقال المعتصم ليتوضأ فقال الحسن له لا يخرج أمير المؤمنين من هذا الموضع وليكن الوضوء والصلاة وما يريده فيه حتى ينصرم الوقت فجاء خادم ومعه المشط والمسواك فقال الحسن للخادم امتشط بالمشط واستك بالمسواك فقال وكيف أتناول آلة أمير المؤمنين فقال المعتصم ويلك امتثل قول الحسن ولا تخالفه ففعل فسقطت ثناياه وانتفخ دماغه وخر مغشيا عليه ورفع ميتا فقام الحسن ليخرج فاستدعاه المعتصم إليه واحتضنه ولم يفارقه حتى قبل عينيه ورد على بوران أملاكا وضياعا كان ابن الزيات سلبها منها

أقول ورأيت هذا الحكم من بوران في المجلد الرابع من أخبار الوزراء والكتاب تأليف أبي عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري فذكرته من الكتاب بلفظه قال حدثنا علي بن محمد بن العباس قال كان المعتصم منحرفا عن الحسن بن سهل وأصحابه وقد كان حاز كثيرا من أملاكهم فقالت بوران لأبيها الحسن بن سهل أني نظرت في حساب المعتصم فوجدته يدل على شيء يجب أن يحذر عنه في الوقت الذي ينكب من جهته وهو الخشب فاجتمع معها على النظر في ذلك فوجد الأمر على ما قالت لها لست آمن من انحرافه عنا أن لا يقع منه هذا موقعه فقالت اقض ما عليك وهو أعلم وما يختار فصار إلى باب المعتصم فاستأذن استئذان من يريد أن ينهي شيئا لما قيل قد انحرف فاستقبله على كره فلما وصل قدم تقدمة بذكرها يلزمه من النصح والصدق عما يقف عليه وعرفه ما وقف عليه من الحكم في النجوم فقلق المعتصم بذلك فقال له تأذن لي أن ألزمك إلى انقضاء الوقت فقال افعل فلزمه يومه وليلته إلى آخرها فلم يحدث شيء ينكره فلما كان وقت الصبح أقبل الخادم بالماء والوضوء والمسواك فنهض الحسن وقبض على المسواك فمنعه الخادم منه فقال الحسن ليس بد من أخذه فارتفع الكلام بينهما إلى أن سمعه المعتصم فقال أعطه المسواك فدفعه إليه فقال تقدم يا أمير المؤمنين لهذا الخادم أن يستاك بهذا المسواك ففعل . فلما استاك به وقعت ثناياه وأسنانه وسقط ميتا من وقته . وإذ المسواك مسموم فحمل بدفع ذلك عند المعتصم وكان ذلك سبب رجوعه إلى الحسن وأهله وذكر في أخبار المأمون أن بوران لقب فارسي وأن اسمها خديجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت