ثم ذكر حكاية جرت له مع بعض الوزراء الذين يقولون بصحة دلالات النجوم وأنه رحمه الله قال للوزير ما معناه أن النجوم لو كانت تدل على الإصابة لكان المنجمون سالمين من الآفات وكان الجاهلون بالنجم حاصلين في المخافات وكانوا كبصير وأعمى إذا سلكا في الطريق والجواب أن يقول ليس كل من عرف علما عمل بعلمه وخلص نفسه من الردي قال الله جل جلاله"وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدي"ثم يقال له لو أن قائلا قال لك لو كان العقل موجودا مع الموصوفية من بني آدم لكان السالمون به من الآفات أضعاف الهالكين به من الدواب والحيوانات المختارة التي ليس معها عقول . ونحن نرى الآفات يجري على الفريقين على المقارنة والمناسبة بل لعل هلاك العقلاء بعقولهم أكثر من هلاك الحيوان المختار من غير عقل بما هو عليه من الجهل ويقال له لو كان في علوم بني آدم بديهيات لقد كان يتعذر على أحد منهم الخلاف فيها وقد اختلفوا فيها ويقال له لو كان العلم ثابتا بانا فاعلون ضرورة لكان السالم منه أكثر من الهالك ونحن نرى ثلثا وسبعين فرقة من الأمة المرحومة جهلتها أكثر من الفرقة الناجية في كل وقت من الأوقات ومع ذلك ما دل هذا الاختلاف على بطلان العلم بانا فاعلون بالضرورة وقد تركنا معارضات كثيرة
ثم قال رحمه الله عن شخص غير منجم سماه شعراني له إصابات عظيمة بعضها وقعت بحضوره من أخباره الغائبات فقال لنا كان لنا صديق يقول أبدا من أدل دليل على بطلان علم النجوم أصابت الشعراني والجواب أن الذين يذهبون إلى أن الولادة في وقت معين دالة من طوالع النجوم فيقولون أن طالع هذا الشعراني اقتضى تعريف الله تعالى له بهذه الإصابات وهم يجعلون هذا من حججهم أن النجوم دلالات من آيات فاطر الأرضين والسموات ولو كان هذا الشعراني يصيب من مجرد عقله لاشترك في إصابته كل من له عقل خاصة كان يلزم ذلك من يقول أن العقول متساوية وحكى مجلسا جرى له منجم ذكر نحو ما ذكرناه ثم اعترض عليه بأن قال وإذا كانت الإصابة بالمواليد فالنظر في علم النجوم عبث وتعب لا يحتاج إليه والجواب أن يقال له رحمه الله إذا كانت الإصابة في أحكام النجوم بالمواليد على شروط تعلم الطريق وقد دلت الولادة على تعلمها لمن كانت ولادته مقتضية بذلك فكيف يقال مع هذا أن النظر في علم النجوم عبث وتعب لا يحتاج إليه وأين حجته في ما ذكره واعتمد عليه
ثم قال رحمه الله ما معناه أن معجزات الأنبياء عليهم السلام أخبارهم بالغيوب فكيف يقدر عليها غيرهم فيصير ذلك مانعا من أن يكون معجز إليهم والجواب أن نقول هذا ولمن بعدما شهده من الشعراني من أنه كان يخبر بالغائبات لا يقدح بالمعجزات فهو جواب المنجمين فأما قوله كيف يقدر عليها غيرهم فالجواب عنه إذا كان الله جل جلاله هو الذي جعل النجوم دلالات وكانت من معجزات إدريس عليه السلام فجوابه عنه هو جوابه عن الأنبياء ويقال له أن الأنبياء ادعوا تصديق الله جل جلاله لهم بالمعجزات فصدقهم تعالى مع حكمته وعدله فلا يشبه ذلك منجم ولا يدعى لقوله تصديقا وينسب دلالة النجوم إلى الله تعالى
وقد وجدنا بالتواريخ كثيرا من المسلمين والمعتبرين ذكروا في معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبار سطيح وغيره من الكهنة والمنجمين بغائبات أخبروا بها ووقعت ولم يكن ذلك قادحا في معجزات الأنبياء في ما أخبروا به من الغائبات لأجل اختلاف الأنبياء والكهنة في صفات تعريفهم بالغائبات والحادثات لأن الأنبياء يخبرون بالغيب من غير سبب من البشر وغيرهم يخبروا بأسباب من توصله بالبشر
وذكروا أيضا من أخبار الجن والتوابع لجماعة من الجاهلية والمسلمين بغائبات ما لو أردنا ذكرها بلغنا حد الإطالة بل فيها ما جعله جماعة من المسلمين معجزة لصاحب النبوة حيث أخبرت الجن بنبوته وأسلم ذلك الذي أخبروه برسالته ولم يكن ذلك الأخبار بالغيوب قادحا في معجزات الأنبياء عليهم السلام