فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 107

وممن كان عالما بعلم النجوم وصحة حكمه بها الصاحب إسماعيل بن عباد الطالقاني المعدود من الأفراد في السعادة والعلم وثناء العباد فمن ذلك ما وجدته في مجموع عتيق قالبه أكبر من الربع أوله حديث عن النبي صلى الله عليه وآله العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء فقال في هذا المجموع أن الصاحب كان يتعصب للأمير بدر بن حسنويه وكان يلقى الصاحب في كل عام مرة واحدة بالري ويعرض عليه حوائجه فيقضيها وإذا أراد الانصراف أحسن خلعه وصرفه أحسن صرف فلما انتهى عمره نظر الصاحب بالمولد وعلم أن العمر تناهى وأن الأجل تداعى والأمل تواهى أرسل إلى بدر بن حسنويه واستدعاه إليه وقضى كل حاجة كانت له وكان العادة جرت أن كل ما أراد الانصراف حضر عند الصاحب فقبل يده وخرج منصرفا لما كانت هذه الكرة الأخيرة خرج الصاحب إلى ظاهر الري وكان الفصل خريفا فوقف وسط قراح قد بذر خريفيا وسقي فحضر بدر بن حسنو يه على العادة دار الصاحب ليقبل يده وينصرف فقيل له أن الصاحب قد خرج بشغل فبادر إليه وتوحل وجعل يعالج وحل القراح بالخفين والجوربين حتى وصل إلى الصاحب وأهوى ليقبل يده فامتنع وقال له أتدري أنها الأمير لم خرجت وسقيت قال لا قال لأنها آخر الالتقاء بيننا فإن إسماعيل بن عباد يموت بعد مائة وثلاثة أيام فإذا قضى فإن شاهنشاه سيجذع جذعا شديدا ويجلس في العزاء سبعة أيام ثم إن أعداء الصاحب سيشيرون عليه بأن يستوزراه بالعباس الضبي فإذا بلغك أيها الأمير أرشدك الله أنه قد قبض عليه ففض ختم هذه الأنبوبة وافتحها واقض حق إسماعيل بن عباد في العمل بما فيها وأعطاه أنبوبة فضية ثم بكى بكاء شديدا وقال هذا آخر العهد منا وتفرقا فلما انقضت مائة وثلاثة أيام قضى الصاحب نحبه فجزع عليه فخر الدولة ابن بويه جزعا شديدا وجلس في العزاء سبعة أيام ثم إن وجوه الدولة ساروا إليه وسألوه الخروج من العزاء فقال لهم كيف السبيل إلى ذلك وأنا لا أقر في قرار والدولة ليس لها نظام ولا استقرار بفقد كافي الكفاة فقالوا عن بكرة أبيهم أيها الشاهنشاه الجزع يفقد الصاحب لا يغني ولا يجدي ولكن ولده ومعشوقة أبو العباس الضبي لا يقصر عنه أصلا وفضلا وسدادا وله في التصريف أثبت قدم وفي كيس الرأي أطول يد فاستوزره فإنه خريجه الكافي الوافي فقبل هذا الرأي منهم وأرسل إلى أصفهان واستحضر أباه العباس الضبي فولاه الوزارة وقلده الولاية فلما مضى عليه سنة مشى الأعداء وسعوا فيه فقبض عليه واتصل الخبر ببدر بن حسنويه ففض ختم تلك الأنبوبة وفتحها فوجد فيها رقعة مكتوبة بخط الصاحب بن عباد نسختها

بسم الله الرحمن الرحيم: أيها الأمير الوفي أبو النجم بدر بن حسنويه أعزك الله أن أعادي إسماعيل بن عباد أرادوا أن يشمتوا ويشنعوا بعداوتهم أبا العباس الضبي خلصه الله وحماه وأبقاه فقد قبض عليه وإسماعيل عارف أن بدرا يستعان به بعد إسماعيل وكذلك سائر أصحاب الأطراف والمرغوب إلى همة الأمير أبي النجم أن يخلص أبا العباس بروحه وأصحابه ويقضي فيه حق إسماعيل فقد علم أنه لا يتعزر على غرمه ذلك إن شاء الله فأرسل بدر الجواسيس إلى الري وكان قد استقصى وكذلك صاحب طبرستان وغيره فأخبره الجواسيس أن أبا العباس قد استقصي ماله وهو مطالب بروحه محبوس فركب بعسكره حتى أصبح الري فدخلها نهارا جهارا وكسر الحبس وأخرج أبا العباس الضبي وأركبه حصانا وحمله معه إلى نعمته وذكر بعد هذه الحكاية شعرا مليحا في مدح الصاحب بن عباد ورثائه منه للرضي المسوي رضي الله عنه قوله:

أكذا المنون تقتر الأبطال ... أكذا الزمان يقرب الآجالا

أكذا تغيض الزاخرات وقد طغت ... لحججا وأوردت الظماء زلالا

أكذا يقام عن الفرائس بعدما ... ملات هماهمها الورى أو جالا

يا طالب المعروف حلق نجمه ... حط الرحال وعطل الأجمالا

وأقم على يئس فقد ذهب الذي ... كان الأنام على نداه عيالا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت