وممن كان عالما بعلم النجوم وصحة حكمه بها الصاحب إسماعيل بن عباد الطالقاني المعدود من الأفراد في السعادة والعلم وثناء العباد فمن ذلك ما وجدته في مجموع عتيق قالبه أكبر من الربع أوله حديث عن النبي صلى الله عليه وآله العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء فقال في هذا المجموع أن الصاحب كان يتعصب للأمير بدر بن حسنويه وكان يلقى الصاحب في كل عام مرة واحدة بالري ويعرض عليه حوائجه فيقضيها وإذا أراد الانصراف أحسن خلعه وصرفه أحسن صرف فلما انتهى عمره نظر الصاحب بالمولد وعلم أن العمر تناهى وأن الأجل تداعى والأمل تواهى أرسل إلى بدر بن حسنويه واستدعاه إليه وقضى كل حاجة كانت له وكان العادة جرت أن كل ما أراد الانصراف حضر عند الصاحب فقبل يده وخرج منصرفا لما كانت هذه الكرة الأخيرة خرج الصاحب إلى ظاهر الري وكان الفصل خريفا فوقف وسط قراح قد بذر خريفيا وسقي فحضر بدر بن حسنو يه على العادة دار الصاحب ليقبل يده وينصرف فقيل له أن الصاحب قد خرج بشغل فبادر إليه وتوحل وجعل يعالج وحل القراح بالخفين والجوربين حتى وصل إلى الصاحب وأهوى ليقبل يده فامتنع وقال له أتدري أنها الأمير لم خرجت وسقيت قال لا قال لأنها آخر الالتقاء بيننا فإن إسماعيل بن عباد يموت بعد مائة وثلاثة أيام فإذا قضى فإن شاهنشاه سيجذع جذعا شديدا ويجلس في العزاء سبعة أيام ثم إن أعداء الصاحب سيشيرون عليه بأن يستوزراه بالعباس الضبي فإذا بلغك أيها الأمير أرشدك الله أنه قد قبض عليه ففض ختم هذه الأنبوبة وافتحها واقض حق إسماعيل بن عباد في العمل بما فيها وأعطاه أنبوبة فضية ثم بكى بكاء شديدا وقال هذا آخر العهد منا وتفرقا فلما انقضت مائة وثلاثة أيام قضى الصاحب نحبه فجزع عليه فخر الدولة ابن بويه جزعا شديدا وجلس في العزاء سبعة أيام ثم إن وجوه الدولة ساروا إليه وسألوه الخروج من العزاء فقال لهم كيف السبيل إلى ذلك وأنا لا أقر في قرار والدولة ليس لها نظام ولا استقرار بفقد كافي الكفاة فقالوا عن بكرة أبيهم أيها الشاهنشاه الجزع يفقد الصاحب لا يغني ولا يجدي ولكن ولده ومعشوقة أبو العباس الضبي لا يقصر عنه أصلا وفضلا وسدادا وله في التصريف أثبت قدم وفي كيس الرأي أطول يد فاستوزره فإنه خريجه الكافي الوافي فقبل هذا الرأي منهم وأرسل إلى أصفهان واستحضر أباه العباس الضبي فولاه الوزارة وقلده الولاية فلما مضى عليه سنة مشى الأعداء وسعوا فيه فقبض عليه واتصل الخبر ببدر بن حسنويه ففض ختم تلك الأنبوبة وفتحها فوجد فيها رقعة مكتوبة بخط الصاحب بن عباد نسختها
بسم الله الرحمن الرحيم: أيها الأمير الوفي أبو النجم بدر بن حسنويه أعزك الله أن أعادي إسماعيل بن عباد أرادوا أن يشمتوا ويشنعوا بعداوتهم أبا العباس الضبي خلصه الله وحماه وأبقاه فقد قبض عليه وإسماعيل عارف أن بدرا يستعان به بعد إسماعيل وكذلك سائر أصحاب الأطراف والمرغوب إلى همة الأمير أبي النجم أن يخلص أبا العباس بروحه وأصحابه ويقضي فيه حق إسماعيل فقد علم أنه لا يتعزر على غرمه ذلك إن شاء الله فأرسل بدر الجواسيس إلى الري وكان قد استقصى وكذلك صاحب طبرستان وغيره فأخبره الجواسيس أن أبا العباس قد استقصي ماله وهو مطالب بروحه محبوس فركب بعسكره حتى أصبح الري فدخلها نهارا جهارا وكسر الحبس وأخرج أبا العباس الضبي وأركبه حصانا وحمله معه إلى نعمته وذكر بعد هذه الحكاية شعرا مليحا في مدح الصاحب بن عباد ورثائه منه للرضي المسوي رضي الله عنه قوله:
أكذا المنون تقتر الأبطال ... أكذا الزمان يقرب الآجالا
أكذا تغيض الزاخرات وقد طغت ... لحججا وأوردت الظماء زلالا
أكذا يقام عن الفرائس بعدما ... ملات هماهمها الورى أو جالا
يا طالب المعروف حلق نجمه ... حط الرحال وعطل الأجمالا
وأقم على يئس فقد ذهب الذي ... كان الأنام على نداه عيالا