ومن المشهور في علم النجوم من المسلمين الذي هم قدوة في العلم أبو معشر فقد قال التنوخي في كتاب"النشوار"المذكور حدثني أبو الحسن بن أبي بكر الأزرق قال كان في نواحي القفص ضيعة نفيسة لعلي بن يحيى المنجم وقصر جليل فيه خزانة كتب عظيمة يسميها خزانة الحكمة يقصدها الناس من كل بلد يقيمون بها ويتعلمون صنوف العلم والكتب مبذولة في ذلك لهم والضيافة مشتملة عليهم والنفقة في ذلك من مال علي بن يحيى فقدم أبو معشر المنجم من خراسان يريد الحج وهو إذ ذاك لا يحسن كثيرا من علم النجوم فوصفت له الخزانة فمضى وراءها فأهاله أمرها فأقام بها وأعرض عن الحج وتعلم النجوم وأغرب فيها
وذكر محمد بن إسحاق النديم في الجزء الرابع من كتاب الفهرست ما هذا لفظه أبو معشر جعفر بن محمد البلخي كان أولا من أصحاب الحديث فنزل بالجانب الغربي بباب خراسان من بغداد وكان يضاغن الكندي ويغري به العامة ويشنع عليه بعلوم الفلاسفة فدس إليه الكندي من حسن له النظر في علم الحساب والهندسة فدخل في ذلك فلم يكمل له فعدل إلى علم النجوم فانقطع شره عن الكندي لعله أن هذا العلم من جنس علوم الكندي ويقال أنه تعلم النجوم بعد سبع وأربعين سنة من عمره وكان فاضلا حسن الإصابة ضر به المستعين أصواتا لأنه أصاب في شيء وأخبر به قبل وقته وكان يقول أصبت فعوقبت وتوفي أبو معشر وقد جاوز المائة بواسط يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين ومائتين ثم ذكر محمد بن إسحاق تصانيف أبي معشر
فمن إصابات أبي معشر في أحكام النجوم ما ذكره التنوخي في النشوار قال حدثني أبو الحسين قال حدثني أبو القاسم سليمان بن مخلد قال لما بعد أبي إلى مصر اجتذبت البحتري وأبا معشر وكنت آنس بهما وحدتي وملازمتي البيت فكانا في أكثر الأوقات عندي فحدثاني يوما أنهما أصابتهما إضافة شديدة وكانا مصطحبين فخطر لهما أن يلقيا المعتز وهو محبوس ويتردد إليه فلقيا في حبسه"فنذكر نحن ما يختص بأبي معشر من الحديث"قال أبو معشر وكنت قد أخذت مولده وعرفت عقد البيعة للمستعين ووقت البيعة من المتوكل بالعهد للمعتز ونظرت بها وصححت النظر وحكمت له بالخلافة بعد فتنة وحروب وحكمت على المستعين بالخلع والقتل فسلمت ذلك إليه وانصرفنا وضربت الأيام ضربها فصح الحكم بأسرها فدخلنا جميعا إلى المعتز وهو خليفة وقد خلع المستعين وكان المجلس حافلا قال أبو معشر فقال لي المعتز لم أنسك وقد صح حكمك وقد أجريت لك مائة دينار في كل شهر رزقاه وثلاثين دينارا أنزلا وجعلناك رئيس المنجمين في دار الخلافة وأمرت لك عاجلا بألف دينار صلة فقال فقبضت ذلك كله عاجلا في يومي وروي هذا الحديث مصنف"الفرج بعد الشدة"
ومن إصابات أبي معشر ومنجم آخر معه ما ذكره التنوخي في كتابه"نشوار المحاضرة"قال حدثني أبو أحمد عبد الله بن العمر بن حارث الحارثي قال حدثني أبي قاسم كنت أحد من يعمل في إحدى خزائن السلاح للمعتمد وكنت قائما بحضرة الموفق في عسكرة لقتال الزنج بحضرته أبو معشر ومنجم آخر سماه لي وأنسيته فقال لهما خذا الطالع في شيء قد أضمرته أنا البارحة لا سالكا عنه وامتحنكما فيه فأخرجا ضميري فأخذا الطالع وعملا زايجته وقالا معا تسألنا عن حمل غير أنسي فقال هو كذلك فما هو ففكرا طويلا ثم قالا حمل بقرة قال هو كذلك فما تلد قالا ثورا قال فما صفته فقال أبو معشر أسود في جبهته بياض وقال الآخر أسود في ذنبه بياض فقال الموفق للناس سأختبر هؤلاء أحضروا البقرة فأحضرت وهي مقربة فقال اذبحوها فذبحت وشق بطنها فأخرج منها ثور صغير أسود أبيض طرف الأنف وقد التف ذنبه فصا على وجهه فتعجب الموفق ومن حضر من ذلك عجبا شديدا وأسنا جائزتهما