ومن أعجب ما وجدته من تمويه المنجمين في هذه الأوقات الذي يتمشى على الملوك والأعيان وذوي المقامات شيء ما عرفت أن أحدا سبقني إلى كشفه وذكرت ذلك لبعضهم ولغيرهم فما رأيت لهم عذرا في التمويه الذي أشرت إلى وصفه وذلك أنهم يكتبون تقاويم السنة نسخة واحدة في سعودها ونحوسها ممتزجاتها فينفذون كل تقويم إلى واحد مع علمهم أن مواليد الذين ينفذون إليهم التقاويم وطوالعهم مختلفة في نحوسها وممتزجاتها وسعاداتها فيمكن أن يكون سعود واحد نحوسا لسواه ونحوس إنسان سعودا لمن عداه ويمكن أن يكون سعود واحد ونحوسه ممتزجا خلاف من يجري مجراه فيقبل الناس التقاويم المتفقة في المواليد ما فيه من التمويه المستور حتى بعث واحد من المنجمين الأعيان إلى تقويمين واعتد بما فأعدتهما وعرفته ما في ذلك من التمويه بهما
وقد كان ينبغي أن يكون تقويم كل واحد ممن يحتاج إلى التقويم على مقتضى مولده وطالعه وتحويل سنته ليكون أقرب إلى الصراط المستقيم وكان مراد المنجم من تقويمه مجرد ذكر أن في النجوم سعدا وفيها نحسا وفيها ممتزجا من غير أن يقصد انتفاع من يحمل إليه التقويم بسعودها واجتناب نحوسها كان قد وقع الغناء عن التقويم وكان يكفي ذكر أسماء النجوم السعيدة والنجوم النحسة وما كان كل سنة يحتاج إلى تقويم جديد وإنما يقولون أن مرادهم انتفاع من تحمل إليه التقاويم بما فيها من السعود والنحوس ليستدل في الحركات والسكنات على سلامة النفوس واجتلاب النفع ودفع الضرر والبؤس وهذا يدل على أنه ما يحصل ما يكون من منافعه إلا أن يكون لكل واحد تقويم على مقتضى طالعه
ومما وجدت في خاطري مما يسأل عنه علماء المنجمين وربما تعذر عليهم الجواب عنه على اليقين أن يقال لهم ما المقتضي لورود النوم على الإنسان من طالع ميلاده وقد يتأتى غير وقت مراده وكيف كان هذا النجم في طالع كل إنسان وأوقات الولادات عظيمة الاختلافات من زمان آدم إلى الآن وهلا صادف طالع واحد من الأنام أنه ولد في وقت لا ينام"واعلم"أن هذا يدلك بغير التباس ملكه ومماليكه بحسب ما يريد من الاختبارات إن شاء الله جعل النجوم دلالات وإن شاء أسقط دلالاتها على الحادثات
ومما وجدته في كتب النعمان المؤرخ لسيرة خلفاء مصر ما عجز المنجمون عن جوابه قال المعز ذكر لي أن بعض المنجمين أتاه بكتاب ألفه له يذكر فيه خلق آدم وكيف كانت الكواكب يوم خلقه الله عز و جل وما دلت عليه مما آل أمره وأمر ذريته إليه ورأى أنه قد أتى في ذلك بعلم ما سبق إليه فلما وقفت سألته فقلت هل كان قبل آدم شيء قال نعم قلت فما كان ومن كان وكيف كانت هذه الكواكب قبل ذلك وما دلت عليه فلم يحر جوابا وقال هذا شيء ما ظننت أني أسأل عنه فقلت وهذا الذي عملته وجئت به ما سألت عنه أيضا
"أقول"فكل هذه الأمور دلالة باهرة عند ذوي الاعتبار إن دلائل النجوم بتدبير الفاعل المختار وإنها ليست بأنفسها فاعلة ولا علة موجبة وذلك واضح لأولي الأبصار
ورأيت الاستخارة أقوى في كشف بعض الأسرار وأبلغ في الإشارة وتعدد الصدقات والدعوات دافعة لما يجمع المنجمون عليه من المحذورات وكان ما وجدته بالتجربة كما نقلته من الروايات وعلى مقتضى صريح مقدس كلام مالك الأسباب في قوله جل جلاله"يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده علم الكتاب"