أعلم أن المنكرين لذلك من المسلمين فرق فريق لم يقف على ما رويناه ونقلناه ودللنا عليه من كون النجوم دلالات وأنها آيات وهدايات ولو وقفوا على ما أشرنا إليه لكان يرجى منهم الاعتماد عليه وفريق من المنكرين لهذا العلم الموسوم قوم مستضعفون لا حكم لخلافهم في العلوم فجوابهم بحسب حالهم جواب أمثالهم وفريق خافوا أن يكون ذلك طعنا على النبوات وما أتى به من الأنبياء من المعجزات ولو كان كل آية هدى بها الله عباده وخرق بها العادة مفسدة للمعجزات الصادقة وطعنا على الآيات الخارقة كان قد أفسد طريق المعجزات لأن كل ما في الوجود من المخلوقات كانت في ابتدائها آيات باهرات خارقات ولكنها لما استمرت هانت على الناظرين وغفلوا من جلالتها وما فيها من الدلالة على رب العالمين فتكون لدلالة النجوم أسوة بسائر ما ابتدأ الله جل جلاله به من آياته ودل به على أعظم مقدوراته وقد قدمنا الإشارة إلى بعض ما فرقنا به بين أخبار المنجمين بالحادثات وبين تعريف الله جل جلاله على يد الأنبياء والأولياء بالغائبات ونزيده هنا أن طريقة المنجمين معروفة بين العقلاء وموصوفة عند الفضلاء لوم منع أحد من معرفة مولد الإنسان ما قد مر أن يحكم على طالعه ولو منع الإسطرلاب لتعذر عليه بمنافعه ولو حيل بينه وبين أستاذ يتعلم منه لاستحال صدور هذا العلم عنه ولو حيل بينه وبين كتب ينظر فيها لتعذر عليه الإخبار بشيء من معانيها فأما الأنبياء والأوصياء والأولياء فمعلوم بالضرورة من حالهم وصفات كمالهم أن تعريفهم للعباد بالغائبات ليس عن أستاذ ولا استعمال شيء من الآلات ولا في وقت يحتمل الفكر في ترتيب الدلالات وإن الأنبياء لم يقتصر الله جل جلاله بهم في المعجزات على التعريف بالغائبات بل جعل لهم من الآيات مثل إحياء الأموات ومثل إبراء المرضى بغير معالجات ومثل إجابة الدعوات في أوقاتها المعينات ومثل الحكم على مولود قبل ولادته ومثل نطق الحيوانات الخالية من العقل بتصديق من يصدقه الله تعالى منهم بتزكيته وشهادة الجمادات لهم بما يريدونه منهم بالله جل جلاله منه وغير ذلك مما يطول الكلام بشرح حقيقته فأين شرف هذا المقام وأين ما يذكره المنجمون من الأحكام وفريق رأى في الكتب أخبارا بالمنع في شيء من النجوم فحمل ذلك على العموم ولم يدر أن المراد بالتحريم إنما هو لمن اعتقد أن النجوم علة موجبة أو فاعلة مختارة وذلك كفر عظيم وليش هذا لما ذكرناه بمثيل بل كغيرها في كل دليل على ما أراده الله تعالى من واضح السبيل أقول ويحتمل أن يكون النهي عن علم النجوم وتعلمه واستعماله لمن يستعمل دلالتها في معصية الله تعالى كما يستعملها الذين يتوصلون بمعرفتها وهدايتها إلى خلاف مراد الله ومراد رسوله وفريق يستبعدون أن تكون النجوم مع ارتفاعها في السموات دالة على ما في الأرض لتباعد الجهات وهذا الفريق معدودون من أهل الضعف فينبغي أن يعرفوا قدرة القادر لذاته تعالى ثم يحتمله حالهم من الكشف وفريق سمعوا أنه أدى هذا العلم بالجهال إلى جهود الشرايع وترك العبادة و الأعمال فخافوا من تعليمه والتصديق به أن يقعوا في تلك الأهوال ولو كان هذا عذرا في طلب التحيز وسلوك صواب الطريق أدى ذلك إلى الإهمال بالكلية وترك العلوم الدينية لأن كل علم منها ضل فريق في طريقه واختلفوا في تحقيقه وفريق سمعوا أن هذا العلم ابتدعه قوم غير الأنبياء من الفلاسفة والحكماء فهربوا من التصديق بشيء من معانيه لئلا يقعوا فيما وقع أولئك فيه من الضلالة والتشبيه وقد قدمنا الدلالات الواضحات على أن هذا العلم من علوم الأنبياء والأوصياء عليهم الصلوات وأوضحنا ذلك بما ذكرناه من المعقولات والمنقولات