فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 107

أعلم أن المنكرين لذلك من المسلمين فرق فريق لم يقف على ما رويناه ونقلناه ودللنا عليه من كون النجوم دلالات وأنها آيات وهدايات ولو وقفوا على ما أشرنا إليه لكان يرجى منهم الاعتماد عليه وفريق من المنكرين لهذا العلم الموسوم قوم مستضعفون لا حكم لخلافهم في العلوم فجوابهم بحسب حالهم جواب أمثالهم وفريق خافوا أن يكون ذلك طعنا على النبوات وما أتى به من الأنبياء من المعجزات ولو كان كل آية هدى بها الله عباده وخرق بها العادة مفسدة للمعجزات الصادقة وطعنا على الآيات الخارقة كان قد أفسد طريق المعجزات لأن كل ما في الوجود من المخلوقات كانت في ابتدائها آيات باهرات خارقات ولكنها لما استمرت هانت على الناظرين وغفلوا من جلالتها وما فيها من الدلالة على رب العالمين فتكون لدلالة النجوم أسوة بسائر ما ابتدأ الله جل جلاله به من آياته ودل به على أعظم مقدوراته وقد قدمنا الإشارة إلى بعض ما فرقنا به بين أخبار المنجمين بالحادثات وبين تعريف الله جل جلاله على يد الأنبياء والأولياء بالغائبات ونزيده هنا أن طريقة المنجمين معروفة بين العقلاء وموصوفة عند الفضلاء لوم منع أحد من معرفة مولد الإنسان ما قد مر أن يحكم على طالعه ولو منع الإسطرلاب لتعذر عليه بمنافعه ولو حيل بينه وبين أستاذ يتعلم منه لاستحال صدور هذا العلم عنه ولو حيل بينه وبين كتب ينظر فيها لتعذر عليه الإخبار بشيء من معانيها فأما الأنبياء والأوصياء والأولياء فمعلوم بالضرورة من حالهم وصفات كمالهم أن تعريفهم للعباد بالغائبات ليس عن أستاذ ولا استعمال شيء من الآلات ولا في وقت يحتمل الفكر في ترتيب الدلالات وإن الأنبياء لم يقتصر الله جل جلاله بهم في المعجزات على التعريف بالغائبات بل جعل لهم من الآيات مثل إحياء الأموات ومثل إبراء المرضى بغير معالجات ومثل إجابة الدعوات في أوقاتها المعينات ومثل الحكم على مولود قبل ولادته ومثل نطق الحيوانات الخالية من العقل بتصديق من يصدقه الله تعالى منهم بتزكيته وشهادة الجمادات لهم بما يريدونه منهم بالله جل جلاله منه وغير ذلك مما يطول الكلام بشرح حقيقته فأين شرف هذا المقام وأين ما يذكره المنجمون من الأحكام وفريق رأى في الكتب أخبارا بالمنع في شيء من النجوم فحمل ذلك على العموم ولم يدر أن المراد بالتحريم إنما هو لمن اعتقد أن النجوم علة موجبة أو فاعلة مختارة وذلك كفر عظيم وليش هذا لما ذكرناه بمثيل بل كغيرها في كل دليل على ما أراده الله تعالى من واضح السبيل أقول ويحتمل أن يكون النهي عن علم النجوم وتعلمه واستعماله لمن يستعمل دلالتها في معصية الله تعالى كما يستعملها الذين يتوصلون بمعرفتها وهدايتها إلى خلاف مراد الله ومراد رسوله وفريق يستبعدون أن تكون النجوم مع ارتفاعها في السموات دالة على ما في الأرض لتباعد الجهات وهذا الفريق معدودون من أهل الضعف فينبغي أن يعرفوا قدرة القادر لذاته تعالى ثم يحتمله حالهم من الكشف وفريق سمعوا أنه أدى هذا العلم بالجهال إلى جهود الشرايع وترك العبادة و الأعمال فخافوا من تعليمه والتصديق به أن يقعوا في تلك الأهوال ولو كان هذا عذرا في طلب التحيز وسلوك صواب الطريق أدى ذلك إلى الإهمال بالكلية وترك العلوم الدينية لأن كل علم منها ضل فريق في طريقه واختلفوا في تحقيقه وفريق سمعوا أن هذا العلم ابتدعه قوم غير الأنبياء من الفلاسفة والحكماء فهربوا من التصديق بشيء من معانيه لئلا يقعوا فيما وقع أولئك فيه من الضلالة والتشبيه وقد قدمنا الدلالات الواضحات على أن هذا العلم من علوم الأنبياء والأوصياء عليهم الصلوات وأوضحنا ذلك بما ذكرناه من المعقولات والمنقولات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت