يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ [1] وَحَسبُكُمَا بِشيءٍ يُذهِبُ العَقلَ، ويُفسِد اللُّبَّ. وَقَد ترَكَها قَومٌ في الجَاهِليَّة تَكرُّمًا، فَإيَّاكُما وَمُقَاربَتَها، وَالتدَنُّسَ بِرِجسِهَا، وَقَد وَصَفَها اللهُ تَعَالى بِذَلكَ، وَقرَنَها بِالأنصَابِ وَالأزلاَمِ، فَقَال عَزَّ مِنْ قائلٍ: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [2] . فبيَّنَ تَعَالَى أَنَّها مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ، وَوصَفَها بِالرِّجسِ، وقرَنَ الفَلاَحَ بِاجتِنابِها، فَهَل يَستَجِيزُ عَاقلٌ يُصَدِّقُ البَارئَ في خَبَرِه تَبَاركَ اسمُه، وَيعلَم أنَّه أَرَاد الخيْرَ لَنا فِيمَا حَذَّرنَا عَنهُ مِنهَا أنْ يقرَبَها أَو يَتَدنَّسَ بهَا.
[الشرح]
الخمر: ما خامر العقل وغطَّاه وغيَّره ولو بقليل، وما أسكر كثيره فقليله حرام، وهو محرَّم بنصِّ الكتاب والسنّة، وقد تركه العقلاء في الجاهليَّة لما ينتج عنه من ذهاب العقل الذي ميَّز الله به الإنسان على غيره من المخلوقات، وقد حرَّمه الله -تعالى- بالتدَرَّج حتَّى تركه النَّاس، وكان عمر -رضي الله عنه- يتمنَّى اليوم الذي يأتي فيه تحريم الخمر، عمر -رضي الله عنه وأرضاه- الذي كان كثيرًا ما ينزل القرآن موافقًا لرأيه -رضي الله عنه وأرضاه، وأخزى الله من أبغضه وقلاه-، حتَّى نزلت الآية الكريمة بعد التدرج.
أوَّلًا: نزل قول الله تعالى: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} فكان النَّهي مقتصرًا على قربانها قرب وقت الصَّلاة؛ ثمّ حسم الأمر بآيات المائدة يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ
(1) [المائدة:91] .
(2) [المائدة:90] .