[المتن]
قال -رحمه الله-:
من أتى السلطان افتتن
واجتَنِبا صُحبَةَ السُّلطَانِ مَا استَطعتُما، وتَحرَّيا البُعدَ مِنه مَا أمكنَكُما، فإنَّ البُعدَ مِنه أفضلُ مِنَ العِزِّ بالقُربِ مِنه؛ فَإنَّ صَاحبَ السُّلطانِ خَائفٌ لاَ يَأمَنُ، وخَائِنٌ لا يُؤْمَنُ، ومُسيءٌ إنْ أَحسَن، يَخافُ منه ويُخاف بِسَببه، ويَتَّهِمه النَّاسُ مِنْ أجلِه. إنْ قرَّبَ فتَنَ، وإنْ أَبعدَ أحزنَ، يحسُدُك الصَّديقُ عَلى رِضَاه إذَا رَضِي، ويتبَرَّأ مِنكَ وَلدُك ووَالِدَاك إذَا سَخِطَ، ويَكثُرُ لائمُوكَ إذا مَنَع، ويَقِلُّ شَاكِرُوك إذَا شَبِع. فَهَذه حَالُ السَّلامةِ مَعه، ولاَ سَبيلَ إلَى السَّلامةِ مِمَّن يَأتِي بَعدَه.
مصاحبة السلطان في المعروف
فَإنِ امتُحِنَ أحَدُكما بِصُحبتِه، أو دَعَتْه إلَى ذَلك ضَرورةٌ، فليتقَلَّلْ مِنَ المالِ والحَالِ، ولَا يغتَبْ عِندَه أحَدًا، ولاَ يُطالِب عِنده بَشرًا، ولاَ يَعصِ لَه في المعرُوف أمرًا، ولاَ يَستنْزِلْه إلَى مَعصيةِ الله تَعَالى، فَإنَّه يَطلبُه بمثلِهَا، ويَصِيرُ عِندَه مِنْ أهلِها. وإنْ حَظِيَ عِنده بمثلِها في الظَّاهرِ، فإنَّ نفسَه تَمقتُه في البَاطِن.
[الشرح]
ينبه هنا إلى التقلُّل من صحبة السلاطين، فإن الإكثار من ذلك قد يورد أحيانًا المهالك، ولاسيما الذي يصاحبهم لأغراض دنيوية؛ فإن ذلك مصيره إلى النكران؛ لكن من ابتلي بالصحبة لأمر أو لآخر أو بسبب عمل يُوكل إليه، أو وجد من نفسه القدرة على النصيحة بالطرق الشرعية دون إعلان أو دون تشهير أو نحو ذلك؛ فلا بأس؛ ولكن عليه أن يتحفظ، وأن يُسدي النصح، وأن لا يكون هدفه تحقيق غرض من أغراض الدنيا، وأن لا يكون هدفه الطمع فيما عنده؛ بل يكون هدفه مناصحته؛ لأننا مأمورون بالنصيحة لذي السلطان بالطرق