هنا يقول المصنِّف -رحمهُ الله-: أنَّني عندما شعُرت ببلوغكما سنًّا تفهمان فيه الوصية، شعرت بالمسؤوليّة الكبرى تجاهكما، فكتبت أو أوصيتكما، أو عزمت على أن أوصيكما بهذه الوصيّة، لأمرين:
الأمر الأول: بلوغكما سنًّا تتحملان فيه تلك الوصية، ولعلها -والله أعلم- سنَّ التمييز، والله أعلم؛ لأنَّ المسلم وإن لم يرِد ما يدل على السنِّ الذي أوصاهما فيه؛ لكن لعلَّ أقرب ما يكون هو سنَّ التّمييز، وقد يكون عشر سنين أو سبع، وقد يكون سنَّ البلوغ؛ لكن الذي يبدو أنَّ من بلغ عشر سنين يفهم؛ ولذلك يقول النّبي صلى الله عليه وسلم: (( مُرُوا أبناَءَكُم بالصَّلاةِ لِسبْعٍ، وَاضرِبُوهُم عَليْهَا لِعَشرٍ، وفَرِّقُوا بَيْنَهُم فِي المَضَاجِعِ ) ) [1] فيبدو أنَّهما قد بلغا نحوًا من هذه الأعمار، إمَّا سبع أو عشر أو سنَّ البلوغ الذي يجب عليهما فيه التَّكليف، وقد يكون هذا مرجّحا، والله أعلم.
والسبب الثَّاني: تخوفه أن تخترمه المنيَّة قبل أن يُسدِيَ إليهما هذا النَّصح العظيم؛ لأنَّه قد شَعُرَ بدنوِّ أجله، والمسلم ينبغي له أن يكون مستعدًّا للموت دائمًا «إِذَا أَمسَيتَ لاَ تنتَظِر الصَّبَاح، وإذَا أَصبَحت فَلاَ تنتظِرِ المَسَاء، وصلِّ صَلاَة مودِّع» كما يقول"عبد الله بن عمر"-رضي الله عنه-، وفي الحديث: (( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ) ) [2] .
فعلينا أن نتنبَّه لمغزى هذه الوصيَّة، وللأسباب التي جعلته يقوم بها، وأن يحذو حذوه كل واحد منَّا مع بنيه، وأولاده، وأحفاده، وبناته، وأسرته، شعورًا بالمسؤوليَّة؛ لأنَّ (( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) ) [3] .
(1) رواه أحمد، وحسنه الألباني في صحيح الجامع: 5868.
(2) أخرجه البخاري (5/ 2358، رقم 6053) .
(3) أخرجه: البخاري 7/ 41 (5200) ، ومسلم 6/ 7 (1829) (20) .