وَلذَلِكَ إذَا حَقَّقَ مَنْ يَعلَمُ عِندَ أَحَدٍ مِنهُم وَجَدَهُ عَارِيًا مِنَ العِلمِ، بَعِيدًا عَنهُ، يَدَّعِي أَنَّه يَكتُمُ عِلمَهُ، وَإنَّما يَكتُمُ جَهلَهُ، وَهُو يَنِمُّ عَلَيهِ، وَيَرُوم أَن يَستَعِينَ بِه، وَهُو يُعينُ عَلَيهِ.
وَقَد رَأَيتُ بِبَغدَادَ وَغَيْرِهَا مَنْ يَدَّعِي مِنهُم هَذَا الشَّأنَ مُستحقَرًا مُستَهجَنًا مُستَضعَفًا، لاَ يُنَاظِرُهُ إلاَّ المبتَدِئُ، وَكَفَاكَ بعِلمٍ صَاحِبُه في الدُّنيَا مَرمُوقٌ مَهجُورٌ، وَفي الآَخِرَةِ مَدحُورٌ مَثبُورٌ. وَأَمَّا مَنْ يَتَعَاطَى ذَلكَ مِنْ أَهلِ بَلَدِنَا، فَلَيسَ عِندَه مِنهُ إلاَّ اسمُهُ، وَلاَ وَصَلَ إلَيهِ إلاَّ ذكرُهُ.
[الشرح]
هنا يحذِّرُ زيادة من التعلُّق بالمنطق والفلسفة، وأنَّه لا يجوز للمسلم أن يُشغل نفسه بعلم المنطق؛ حتَّى يكون متمكِّنًا من الشَّريعة، وحتَّى يفهم كلام العلماء الربَّانيِّين ويتتلمذ عليهم، وحتَّى يفهم كيف ينقد هذا المنطق ويُبطله بالحجج القاطعة، والأدلَّة الواضحة، فيجب على المسلم أن يبتعد عنه إلاَّ بقدر الحاجة، وبعد أن يكون متضلِّعًا في الكتاب والسنَّة؛ لأنَّ كثيرًا ممَّن شُغِفَ بهذا العلم أفضى به الأمر إلى الحيرة؛ بل وربَّما إلى الردَّة؛ لأنَّه يشكِّكُ في السمعيَّات، ويؤكِّد وجوب الاقتصار على العقليَّات، ويعتمد على العقل المجرَّد والعقل وحده ليس بشيء، وما ليس بشيء فليس بشيء. نعم، يُعمل العقل ويُتدبَّر به؛ لكنَّه يكون مع النصِّ كالمقلِّد مع المتبوع، فلا يجوز أن يُشتغل بهذا العلم الفاسد. وكثيرًا ما ضلَّت عقائد النَّاس بسبب ذلك.
ولذلك رجع عنه كثير من السَّلف مثل:"أبي المعالي الجُويني"ويُقال إنَّ"الغزالي"رجع، كما يُقال إنَّ"الرّازيَّ"قد رجع أيضًا، وكلُّهم ندموا على اشتغالهم بعلم المنطق، وتركهم علم هدي الكتاب والسنَّة؛ لأنَّ علم الكتاب