أخرى وهو أنه سبحانه قد ذكر ميراث الواحدة نصًا وميراث الثنتين تنبيهًا كما تقدم، فكان في ذكر العدد الزائد على الاثنتين دلالة على أن الفرض لا يزيد بزيادتهن على الاثنتين، كما زاد بزيادة الواحدة على الأخرى. وأيضًا فإن ميراث الاثنتين قد علم من النص، فلو قال: (فإن كانتا اثنتين) كان تكريرًا، ولم يعلم منه حكم ما زاد عليهما، فكان ذكر الجمع في غاية البيان والإيجاز، وتطابق أول الكلام وآخره، وحسن تأليفه وتناسبه، وهذا بخلاف سياق آخر السورة فإنه قال: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [1] فلم يتقدم اسم جمع، ولا ضمير جمع يقتضي أن يقول: (فإن كن نساء فوق اثنتين) ، وقد ذكر ميراث الواحدة وأنه النصف، فلم يكن بد من ذكر ميراث الأختين وأنه الثلثان، لئلا يتوهم أن الأخرى إذا انضمت إليها أخذت نصفًا آخر، ودل تشريكه بين البنات وإن كثرن في الثلثين على تشريكه بين الأخوات وإن كثرن في ذلك بطريق الأولى [2] ، فإن البنات أقرب من الأخوات ويسقطن فرضهن، فجاء بيانه سبحانه في كل من الآيتين من أحسن البيان، فإنه لما بين ميراث الابنتين بما تقرر بين ميراث ما زاد عليهما، وفي آية الإخوة والأخوات لما بين ميراث الأخت والأختين لم يحتج أن يبين ميراث ما زاد عليهما؛ إذ قد علم بيان الزائد على الاثنتين في من هن أولى بالميراث من الأخوات، ثم بين حكم اجتماع ذكورهم وإناثهم فاستوعب بيانه جميع الأقسام" [3] ."
(1) - سورة النساء، آية (176) .
(2) - ومما يدل عليه أنه سبحانه جعل فرض البنت وفرض الأخت واحد وهو النصف، فينبغي أن يكون فرض البنتين كفرض الأختين. انظر: معاني القرآن، للنحاس [2/ 29] .
(3) - إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم [3/ 148 - 149] .