فهرس الكتاب
1/ أن حمل القرء في الآية على الحيض أولى من حمله على الطهر لوجوه:
الوجه الأول: أن الآية نصت على العدد ثلاثة قروء، وحمله على الأطهار يلزم منه أن يكون العدد قرءان وبعض الثالث، لأن الطهر المطلَّق فيه قرء ناقص وهو محسوب من العدة، وإذا حُمل على الحيض فهي ثلاث حيضات كوامل، فيكون أقرب إلى نص الآية، واسم العدد نص في مسماه لا يقبل التخصيص المنفصل بخلاف الاسم العام فإنه يقبل التخصيص المنفصل؛ وبهذا يتبين ضعف الاستدلال بقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [1] فإنها شهران كاملان وبعض الثالث، فهذا من أسماء الجموع التي هي ظواهر في مسماها، وليس من صيغ العدد التي هي نصوص في مسماها، ومما يقوي ما سبق أنه عدل في الآية عن جمع القلة إلى جمع الكثرة، وجمع القلة أن يقال ثلاثة أقراء، أو ثلاثة أقرؤٍ - وهو القياس عند أهل اللغة [2] - وهذا العدول لابد له من فائدة، والفائدة هي نفي التجوُّز في هذا الجمع. [3]
الوجه الثاني: أن المعهود المعروف من خطاب الشارع استخدام لفظ القرء للحيض لا للطهر، ولم يأت استعماله في موضع واحد للطهر، وحمل الآية على المعهود من خطاب الشارع أولى، ومن ذلك قول النبي» للمستحاضة أن: (( تدع الصلاة أيام أقرائها ) ) [4] .
(1) - سورة البقرة، آية (197) .
(2) - انظر لسان العرب، لابن منظور [11/ 80] ،وشرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك [4/ 68] .
(3) - انظر: زاد المعاد [5/ 604 - 608] وَ [5/ 641 - 643] .
(4) - أخرجه أبو داود في سننه كتاب الطهارة، باب من قال تغتسل من طهر إلى طهر ح (297) ، والترمذي في جامعه كتاب الطهارة، باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، ح (126) ، وابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم ح (625) كلهم من طريق شريك عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي» وأخرجه من هذا الطريق الطبراني في المعجم الكبير [22/ 386 ح (962) ] ، كما أخرجه في المعجم الأوسط [9/ 79 ح (9184) ] من طريق الحسن بن عيسى، نا حفص بن غياث عن العلاء بن المسيب عن الحكم بن عتيبة عن جعفر عن سودة بنت زمعة مرفوعًا، وأخرجه في المعجم الصغير [2/ 292 ح (1187) ] من طريق يزيد بن هارون، حدثنا أيوب أبو العلاء عن عبد الله بن شبرمة القاضي، عن قمير امرأة مسروق عن عائشة مرفوعًا، وفي مصنف عبد الرزاق [1/ 304 ح (1170) ] عن معمر عن عاصم بن سليمان عن قمير به، وأخرج أبو عوانة [1/ 269 ح (936) ] ، والنسائي في الكبرى [1/ 111 ح (215) ] كلاهما من طريق محمد بن المثنى، حدثنا سفيان عن الزهري عن عمرة عن عائشة مرفوعًا، وفي مصنف ابن أبي شيبة [1/ 118 ح (1348) ] ، وسنن الدارقطني [1/ 467 ح (784) ] من طريق إسماعيل بن علية عن أيوب عن سليمان بن يسار أن فاطمة بنت أبي حبيش ... وتابع إسماعيل عند الدارقطني وهيب برقم (783) و عبد الوارث برقم (782) إلى غير ذلك من طرق الحديث، وقد اختلف في هذا الحديث وغيره من أحاديث المستحاضة مما جاء فيه لفظ القرء، واعترض عليه جمع من أهل العلم وجعلوا الصحيح فيه ذكر لفظ الحيض لا القرء، منهم الإمام الشافعي.
ولمزيد من التفصيل في هذا انظر: سنن البيهقي الكبرى [7/ 416] ، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد أشرف الصديقي [1/ 240] وقد قال:"وحاصل الكلام أن جملة تدع الصلاة أيام أقرائها ليست بمحفوظة في رواية الزهري، ولم يذكرها أحد من حفاظ أصحاب الزهري غير ابن عيينة، وهو وهم فيه، والمحفوظ في رواية الزهري إنما قوله: فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد، ومعنى الجملتين واحد، = ... = لكن المحدثين معظم قصدهم إلى ضبط الألفاظ المروية بعينها فرووها كما سمعوا، وإن اختلطت رواية بعض الحفاظ في بعض ميزوها وبينوها"وقد نقل ابن القيم كلام الشافعي في ذلك في زاد المعاد [5/ 624 - 625] ثم تعقبه ورد عليه في [5/ 644 - 645] ، والذي يظهر من طرق الحديث أن لفظة الأقراء ثابتة في الأحاديث ولهذا قال ابن القيم في زاد المعاد [5/ 647] :"وتعليل هذه الأحاديث بأن هذا من تغيير الرواة، رووه بالمعنى لا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه، فلو كانت من جانب مَن عللها لأعاد ذكرها وأبداه وشنع على من خالفها"وممن صحح الحديث الإمام الألباني كما في إرواء الغليل [1/ 225] قال:"وهما ضعيفان - يعني شريك عن أبي اليقظان - ولكن الحديث صحيح لأن له شواهد ..."