فلما نزلت التوراة حرمت عليهم مطعومات أخرى لم تكن محرمة على إسرائيل وبنيه، قال الحافظ ابن كثير:"وقد قدمنا الكلام على هذه الآية، وأن المراد أن الجميع من الأطعمة كانت حلالًا لهم من قبل أن تنزل التوراة ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها، ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة كما قال في سورة الأنعام: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} [1] أي إنما حرمنا عليهم ذلك لأنهم يستحقون ذلك بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولهذا قال: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا} [2] أي صدوا الناس وصدوا أنفسهم عن إتباع الحق، وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل وقتلوا خلقًا من الأنبياء وكذبوا عيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهما" [3] ،وفي الآية الرد على من استدل منهم بالطريق النقلي، قال الإمام السرخسي:"فأما من قال من اليهود إنه لا يجوز بطريق التوقيف استدل بما يروى عن موسى» أنه قال: تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، وزعموا أن هذا مكتوب في التوراة عندهم، وقالوا: قد ثبت عندنا بالطريق الموجب للعلم وهو خبر التواتر عن موسى» أنه قال: إن شريعتي لا تنسخ، كما تزعمون أنتم أن ذلك ثبت عندكم بالنقل المتواتر عمن تزعمون أنه رسول الله»، وبهذا الطريق طعنوا في رسالة محمد» وقالوا: من أجل العمل في السبت لا يجوز تصديقه، ولا يجوز أن يأتي بمعجزة تدل على صدقه ..."ثم قال
(1) - سورة الأنعام، آية (146) .
(2) - سورة النساء، آية (160) .
(3) - تفسير القرآن العظيم، ابن كثير [1/ 521] .