الثالث عشر: أنه قال: {أَلَا تَأْكُلُونَ} وهذا عرض وتلطف في القول، وهو أحسن من قوله: كلوا، أو مدوا أيديكم، وهذا مما يعلم الناس بعقولهم حسنه ولطفه، ولهذا يقولون: بسم الله، أو ألا تتصدق، أو ألا تجبر، ونحو ذلك [1] .
الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل؛ لأنه رآهم لا يأكلون، ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل، بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا، وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال لهم: ألا تأكلون! ولهذا أوجس منهم خيفة، أي أحسها وأضمرها في نفسه ولم يبدها لهم، وهو الوجه الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل لطعامه خاف منهم ولم يظهر لهم ذلك، فلما علمت الملائكة منه ذلك قالوا: لا تخف وبشروه بالغلام.
فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب، وما عداها من التكلفات التي هي تخلف وتكلف إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم، وكفى بهذه الآداب شرفًا وفخرًا، فصلى الله على نبينا، وعلى إبراهيم، وعلى آلهما، وعلى سائر النبيين" [2] ."
التعليق والإيضاح:
تكلم ابن القيم عن هذه الآيات يبين فيها ثناء الله سبحانه على الخليل إبراهيم -عليه السلام-، فهو من أصحاب الأخلاق الجميلة، والآداب الجليلة، ولم أقف على من استنبط مثل هذه الوجوه من هذه الآية، وهي تدل على براعة الاستنباط عند الإمام ابن القيم -رحمه الله-، وقد تكلم
(1) - انظر: تفسير ابن كثير [4/ 211] .
(2) - جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام، ابن القيم، ص [394 - 397] .