على هذه الآية بأكثر من هذا في كتاب (زاد المهاجر إلى ربه) [1] ، واستنبط منها أمورًا أخرى غير آداب الضيافة، وجعل هذه الآيات واستنباطه منها مثالًا لمن أراد تدبر القرآن الكريم واستخراج ما فيه من كنوز وأسرار، وهذا موقف واحد يتضمن بيان آداب عظيمة في باب الضيافة والكرم، ولهذا قال ابن كثير:"وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة" [2] ، وقال أيضًا:"... وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة فإنه جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولًا فقال: نأتيكم بطعام. بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله وهو عجل فتي سمين مشوي، فقربه إليهم لم يضعه وقال اقتربوا بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرًا يشق على سامعه بصيغة الجزم بل قال: {أَلَا تَأْكُلُونَ} على سبيل العرض والتلطف، كما يقول القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل" [3] ، وقال الآلوسي:"وهذا الأدب يجب أن يقتفى مطلقًا فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه في أن يسدي إليه معروفًا، ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه طعامًا، فإن الاستئذان في مثل هذه المواطن أمارة التكلف والتكره، ولقد بلغ من كرم الخليل -صلوات الله تعالى وسلامه عليه- وأدبه مع ضيوفه أنه لا يتعاطى شيئًا من أسباب التهيؤ للضيافة بمرأى منهم؛ فلذلك مدحه الله تعالى على لسان رسوله - عليه الصلاة والسلام - بهذه الخلة الجميلة والآداب الجليلة، فقال سبحانه: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ} أي ذهب على خفاء منهم كيلا يشعروا به ..." [4] .
(1) - من ص [63] إلى ص [70] .
(2) - تفسير القرآن العظيم، ابن كثير [2/ 410] .
(3) - تفسير القرآن العظيم، ابن كثير [4/ 211] .
(4) - روح المعاني، الآلوسي [10/ 110] .