اما تعليل التحريم في هذه الأشياء فلم يرد في النص فلا يعلل، لان العلة علة شرعية لا عقلية، فما لم تفهم العلة في النص فلا تعتبر، واما قياس العلة فلا يأتي هنا لأنه يشترط في قياس العلة ان يكون الشيء الذي اعتبر علة وصفًا مفهمًا حتى يصح القياس عليه، فإذا لم يكن وصفًا مفهمًا بان كان اسمًا جامدًا او كان وصفًا غير مفهم فلا يصح ان يكون علة ولا يقاس عليه غيره، فان الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) (1) اعتبر الغضب علة لمنع القضاء لان الغضب وصف مفهم للمنع فكان علة، واستنبطت علته مما فيه من معنى فهم منه ان المنع كان لأجله، وهذا المعنى هو تحير العقل، فيقاس على الغضب كل ما فيه مما جعل الغضب علة، وهو تحير العقل فهنا يصح ان يقاس غير الغضب على الغضب لان لفظ الغضب وصف مفهم لمنع القضاء بخلاف قوله تعالى (حرمت عليكم الميتة) (2) فان الميتة ليست وصفًا مفهمًا للتحريم فلا يقاس عليها، فينحصر التحريم بالميتة، وكذلك إذا ورد النص على تحريم الربا في القمح فإنه لا يقاس عليه لان القمح اسم جامد وليس وصفًا مفهمًا، فلا يقال حرم الربا في القمح لأنه مطعوم، اذ هو ليس وصفًا مفهمًا، فلا يعتبر علة للتحريم ولا يقاس عليه غيره، واما قوله عليه السلام (الطعام بالطعام مثلا بمثل) وما روى عن ابى سعيد الخدري انه قال: (قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما مختلفًا فتبايعناه بزيادة، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نأخذه إلا كيلا بكيل) (3)
(1) أخرجه البخاري ومسلم والشافعي في الأم وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابي بكرة رضي الله عنه شرح السنة للبغوي 10/ 95.
(2) آية 3 المائدة.
(3) أخرجه احمد في مسنده 2/ 81 ولفظه، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم بينهم طعاما مختلفًا بعضه أفضل من بعض قال: فذهبنا نتزايد بيننا فمنعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نتبايعه إلا كيلًا بكيل لا زيادة فيه) ورواه ابن حزم في المحلى بلفظ الكتاب من طريق البزار ومن طريق ابي شيبة أيضًا.