ويأْخُذُونَ مِن مُزْدَلِفة حَصَى الرَّمْيِ،
والتغليس هنا أشد استحبابًا من سائر الأيام، وينبغي الحرص على صلاة الصبح هناك؛ للخروج من الخلاف، فقد قال ابن حزم: فرض على الرجال أن يصلوا الصبح مع الإمام الذي يقيم الحجّ بمزدلفة، قال: ومن لم يفعل ذلك .. فلا حجّ له [1] .
(ويأخذون من مزدلفة حصى الرمي) لأن بها جبلًا في أحجاره رَخاوة، وفي"صحيح مسلم": أنه -صلى الله عليه وسلم- لما دخل مُحسِّرًا .. قال:"عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ" [2] ، وهذا يدلّ على الأخذ من وادي مُحسِّر، وهو أول منىً.
وقضية كلامه: أخذ جميع ما يرمي به في الحجّ، وهو سبعون حصاة، وهو وجه جزم به في"التنبيه"، وأقرّه في"التصحيح"، وجرى عليه في منسكه المسمى بـ"الإيضاح" [3] ، لكن الأصح: استحباب الأخذ ليوم النحر خاصة، ونقله الرافعي عن الأكثرين، وقال في"شرح المهذب": إنه المشهور، والمنصوص في"الأم"، و"البويطي"، وبه أجاب الجمهور، قال: والأحوط: أن يزيد عليها، فربما سقط بعضها، قال الجمهور: ويأخذ الحصى ليلًا قبل أن يصلي الصبحَ، وقال البغوي: يؤخر أخذَها عن الصلاة، قال في"المهمات": وهو الصواب نقلًا ودليلًا؛ فقد رأيته منصوصًا عليه في"الأم"، و"الإملاء" [4] .
ولو أخذ الحصى من غير مزدلفة .. جاز، لكن يكره من المسجد؛ لأنه فرشه، ومن الحُشِّ؛ لغلبة نجاسته، ومن المرمى؛ لما قيل:"إِنَّ مَنْ تُقُبِّلَ حَجُّهُ .. رُفِعَ حَجَرُهُ، وَمَا تَبَقَّى فَهُوَ مَرْدُودٌ" [5] . كذا في"الشرح"، و"الروضة"، وزاد في
(1) المحلّى (7/ 130) .
(2) أخرجه مسلم (1282) عن الفضل بن عباس -رضي الله عنهما-.
(3) التنبيه (ص 55) ، الإيضاح (ص 302) .
(4) المجموع (8/ 123 - 124) ، المهمات (4/ 362) .
(5) أخرجه الحاكم (1/ 476) ، والدارقطني (2/ 300) ، والبيهقي (5/ 128) عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.