قال الإمام الترمذي في الجامع:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّىَ عَلَى رُطَبَاتٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
فقال أبو عبد الرحمن الوادعي (في الصحيح المسند 120) :
هذا حديثٌ حسن على شرط مسلم. أهـ
قلت: في هذا نظر من وجوه،
أما الوجه الأول، فقد قال البزار رحمه الله في البحر الزخار:
6875 - حَدَّثَنَا مُهَنَّى بْنُ يَحْيَى الْبَغْدَادِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلَّم إِذَا أَفْطَرَ، أَفْطَرَ عَلَى تَمْرٍ أَوْ عَلَى رُطَبَاتٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ إِلَّا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَلا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ جَعْفَرٍ إِلَّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَرَوَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَانَ يُقَالُ لَهُ: سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّشِيطِيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ فَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، وَضَعُفَ حَدِيثُهُ بِهِ. أهـ
وجعفر بن سليمان فيه مقال، فلست أطمئن إلى ما تفرد به، وثابت ثقة مكثر عن أنس، فأين حماد بن سلمة، وسليمان بن المغيرة، وحماد بن زيد وأضرابهم من هذا الحديث؟
قال أبو عبد الله البخاري رحمه الله في التاريخ الكبير (2/ 2161 ترجمة جعفر بن سليمان) :
قال عبد الله (يعني ابن أبي الأسود) : يخالف في بعض حديثه. (الضمير عائد على جعفر)
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم (في الجرح والتعديل 3/ 1957) :
نا محمد بن أحمد بن البراء، قال: قال علي بن المديني: أكثر جعفر - يعني بن سليمان - عن ثابت، وكتب مراسيل، وفيها أحاديث مناكير عن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. أهـ
وأما الوجه الثاني فالسؤال: ما هو شرط مسلم في هذا الحديث؟
هل أخرج مسلم في صحيحه من حديث جعفر بن سليمان عن ثابت البناني إلا ما توبع عليه؟ فإن له في المسند الصحيح خمسة أحاديث بهذا الإسناد،
وإليكم بيانها:
أما الحديث الأول فقد قال الإمام مسلم في كتاب الإيمان (انظر باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله) :
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ إِلَى آخِرِ الآيَةِ جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِى بَيْتِهِ وَقَالَ أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ يَا أَبَا عَمْرٍو مَا شَأْنُ ثَابِتٍ أَشْتَكَى قَالَ سَعْدٌ إِنَّهُ لَجَارِى وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى قَالَ فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ ثَابِتٌ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّى مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ
وَحَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبَ الأَنْصَارِ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِنَحْوِ حَدِيثِ حَمَّادٍ وَلَيْسَ فِى حَدِيثِهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ
قلت: فهذه متابعة، على أن قطن بن نسير صدوق يخطئ،
وأما الحديث الثاني، فقد قال الإمام مسلم في كتاب الصلاة (انظر باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام) :
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَنَسٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ مَعَ أُمِّهِ وَهُوَ فِى الصَّلاَةِ فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ الْخَفِيفَةِ أَوْ بِالسُّورَةِ الْقَصِيرَةِ
قلت: ثم أتبعه مسلم بقوله:
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنِّى لأَدْخُلُ الصَّلاَةَ أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ فَأُخَفِّفُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ،
قلت: فالحديث له متابعة أوردها مسلم بعد الحديث.
وأما الحديث الثالث، فقد قال الإمام مسلم في كتاب الاستسقاء (راجع باب الدعاء في الاستسقاء) :
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ أَنَسٌ أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَطَرٌ قَالَ فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا قَالَ لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى،
وقد أورد مسلم قبل هذا الحديث ثلاثة روايات، منها رواية عبيد الله عن ثابت ورواية سليمان بن المغيرة عن ثابت، فرواية جعفر بن سليمان إنما هي متابعة
وأما الحديثُ الرابع، فقد قال الإمام مسلم في كتاب الجنائز (انظر باب فيم يثنى عليه خير أو شر من الموتى)
وَحَدَّثَنِى أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ ح وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ كِلاَهُمَا عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ مُرَّ عَلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم بِجَنَازَةٍ فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَتَمُّ
قلت: تابع جعفرا هنا حماد بن زيد
وأما الحديث الخامس، فقد قال مسلم في كتاب الفضائل (انظر باب طيب رائحة النبي صلى الله عليه وسلم) :
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ح
وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا هَاشِمٌ يَعْنِى ابْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ أَنَسٌ مَا شَمِمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ وَلاَ مِسْكًا وَلاَ شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلاَ مَسِسْتُ شَيْئًا قَطُّ دِيبَاجًا وَلاَ حَرِيرًا أَلْيَنَ مَسًّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
قلت: فقد تابع جعفر بن سليمانَ سليمانُ بنُ المغيرة، وهو من أثبت أصحاب ثابت،
لكن من المتابع لجعفر بن سليمان على حديث الترجمة؟
والوجه الثالث أن الأقرب إلى الصواب - والله تعالى أجل وأعلم، وهو مخالف لحديث جعفر عن ثابت، ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (ط/ الرشد)
[5625] نَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ يَوْمَ الْفِطْرِ عَلَى تَمَرَاتٍ، ثُمَّ يَغْدُو"
قلت: وهذا حديثٌ معروف فلا بأس به إن كان محمد بن إسحاق سمعه من حفص بن عبيد الله بن أنس (وانظر العلل للدارقطني 2578)
وقال البزار: [6457] حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُجَشِّرٍ، نَا هُشَيْمٌ، به
وقال ابن خزيمة [1428] نَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، ثنا هُشَيْمٌ، به
وقال أبو عبد الله البخاري في الجامع الصحيح (كتاب العيدين، باب 4)
953 -حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لاَ يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ.
وَقَالَ مُرَجَّى بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى أَنَسٌ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْراً. تحفة 1082
وأخرجه ابن خزيمة أيضا (1429) وغيره،
وهذا أولى بالصواب من حديث جعفر بن سليمان عن ثابت.
والله تعالى أجل وأعلم