قال أبو بكر بن أبي عاصم في السنة (بتحقيق د/ باسم الجوابرة) :
709 -حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا دَيْلَمُ بْنُ غَزْوَانَ، ثنا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى رَأْسِ الْمُشْرِكِينَ، يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ الْمُشْرِكُ: هَذَا الَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ نُحَاسٍ، فَتَعَاظَمَ مَقَالَتُهُ فِي صَدْرِ رَسُولِ اللَّهِ، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ:"ارْجِعْ إِلَيْهِ"، فَرَجَعَ إِلَيْهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِ صَاعِقَةً مِنَ السَّمَاءِ، فَأَهْلَكَتْهُ، وَرَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الطَّرِيقِ لا يَدْرِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ صَاحِبَكَ بَعْدَكَ"، وَنَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
? وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ?
فقال أبو عبد الرحمن الوادعي في الصحيح المسند (91) :
{هذا حديثٌ صحيحٌ، وديلمُ بن غزوان وثَّقه ابن معين، وفي رواية عنه أنه قال: صالح. كما في تهذيب التهذيب}
قلت: هذا الكلام فيه نظر، لأن الرواية عن يحيى بن معين قد وقع فيها اختلاف،
فأما أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب النسائي نزيل بغداد، فقد قال (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 3/ 1974) : سُئلَ يحيى بن معين عن ديلم بن غزوان فقال: صالحٌ
وأما عثمان بن سعيد الدارمي فقد قال (رَ تاريخه 316) : سألت يحيى عن ديلم بن غزوان؟ فقال: ثقة.
فالسؤال: بأي القولين نأخذ؟
فأما عثمان بن سعيد الدارمي، فالظاهر أنه لم تطُل صحبته يحيى بن معين:
قال د/ أحمد محمدنور سيف (ص 33) : الأسئلة في هذه الرواية كلها موجهة من الدارمي إلى يحيى إلا النادر منها، بخلاف الروايات الأخرى التي ليست فيها هذه الظاهرة مما يشير إلى قِصَر المدة التي لازمه فيها.
قلت: قد صدق، وقد ذكر قبل ذلك ما يدلُّ على تقدم هذه الرواية، والأولى أن نأخذ من قول يحيى، عند الاختلاف عليه، الآخر من قوله، ولذلك نقدم قول أصحابه البغداديين، كعباس الدوري وابن أبن أبي خيثمة (وراجع أيضا تاريخ الدوري 1/ 121، فقد فصَّل د/ أحمد محمد نور سيف هذه المسألة)
ثُمَّ إن هذا هو الظاهر من صنيع أبي محمد بن أبي حاتم في الجرح والتعديل، إذ ذكر رواية أبي بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين، و لم يذكر كلام الدارمي عنه، مع أنه مكثر من النقل عنه، أورد من طريقه في الجرح والتعديل أكثر من خمسين نصا وأربع مائة!
قال أبو محمد، آخر تقديمه لكتاب الجرح والتعديل (رَ الفقرة قبل الأخيرة) :
(ونظرنا في اختلاف أقوال الأئمة في المسئولين عنهم، فحذفنا تناقض قول كل واحد منهم وألحقنا بكل مسئول عنه ما لاق به وأشبهه من جوابهم.)
وللننظر في سائر أقوال الأئمة في ديلم بن غزوان:
أما أبو حاتم الرازي فقال (3/ 1974) : ليس به بأس، هو شيخٌ، وهو أحب إليَّ من علي بن أبي سارة،
قلت: ها هو أبو حاتم يقارنه بعلي بن أبي سارة! (وسنعود إلى هذا قريبا إن شاء الله)
وقال البزار (في مسنده 7007) : ديلمٌ بصريٌّ صالح
وقال أبو داود السجستاني (سؤالات الآجري 1293) : ثقة
وقال الآجري أيضا (سؤالات الآجري 670) : سئل أبو داود عن ديلم بن غزوان، فقال: ليس به بأس، فقيل أيما أحبُّ إليك هو أو هشام بن حسَّان؟ فقال: هشام فوقه بكثير، ثم قال: ديلمٌ شوَيخ!
وللعقيلي في ترجمة علي بن أبي سارة - وهو ضعيفٌ إن لم يكن متروكا - من الضعفاء كلمة لا بد من أخذها في الاعتبار، إذ قال في ترجمة علي بن أبي سارة (ج 4/ص 252 - 1238، بتحقيق السرساوي) :
(عن ثابت، ولا يتابع عليه من جهة تثبت،
حدثني آدم بن موسى، قال: سمعت البخاري قال: علي بن أبي سارة الشيباني في حديثه نظر.
وَهَذَا الْحَدِيثُ: حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي سَارَةَ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:"بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلا إِلَى رَجُلٍ مِنْ فَرَاعِنَةِ الْعَرَبِ أَنِ ادْعُهُ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أَعْتَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَاذْهَبْ إِلَيْهِ فَادْعُهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَدْعُوكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِيهِ، وَمَا اللَّهُ، أَمِنْ ذَهَبٍ، أَوْ مِنْ فِضَّةٍ، أَوْ مِنْ نُحَاسٍ؟ قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ أَعْتَى مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَادْعُهُ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلامَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ جَوَابِهِ الأَوَّلِ، فَأَتَى النَّبِيَّ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَادْعُهُ، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمَا يَتَرَاجَعَانِ الْكَلامَ بَيْنَهُمَا إِذْ بَعَثَ اللَّهُ عز وجل سَحَابَةً حِيَالَ رَأْسِهِ رَعَدَتْ، فَوَقَعَتْ مِنْهَا صَاعِقَةٌ فَذَهَبَتْ بِقَحْفِ رَأْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) "،
وَلا يُتَابِعَهُ إِلا مَنْ هُوَ مِثْلُهُ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ)
قلت: لا بد أنه يعني ديلم بن غزوان بذلك،
فكلام العقيلي يدل على أن متابعة ديلم بن غزوان لعلي بن أبي سارة لا يُفرح بها، إذ لو كانت بالقوة الكافية لم يكن لإنكار هذا الحديث على عليِّ بن أبي سارة وجهٌ،
وراجع أيضا ترجمة علي بن أبي سارة في ميزان الاعتدال، فقد ذكر الذهبي له هذا الحديث،
وقد أخرجه النسائي في كتاب التفسير من السنن الكبرى (11195)
ومجموع كلام الأئمة في ديلم بن غزوان يفيد أنه أدنى منزلة من الصدوق، وأنه بالتأكيد لا يُفرحُ بما تفرَّد به عن ثابت، أو لم يتابعه عليه عن ثابت إلا علي بن أبي سارة، ولم أقف له عن ثابت إلا على حديثين، هذا الحديث أحدهما،
فلا أوافق أبا عبد الرحمن الوادعي على تصحيحه لهذا الحديث، ولا أوافق أبا الحارث - حفظه الله - على تحسين الحديث (أسباب النزول للواحدي، ط/ الميمان، ص 452)
والله تعالى أجل وأعلم