قال الإمام النسائي رحمه الله (كتاب مناسك الحج، باب إنشاد الشعر في الحرم والمسي بين يدي الإمام)
2886 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ فِى عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَمْشِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ
خَلُّوا بَنِى الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ -- الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ -- وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِى حَرَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَقُولُ الشِّعْرَ قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: خَلِّ عَنْهُ فَلَهُوَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ
فقال أبو عبد الرحمن الوادعي (في الصحيح المسند 102) : هذا حديثٌ حسن،
ثم قال أبو عبد الرحمن الوادعي: وأخرجه النسائي أيضًا: أخبرنا محمد بن عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الرزاق به
ثم خرجه من رواية الترمذي: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الرزاق به،
وعلَّق على هذه الرواية بقوله: الحديث بسند الترمذي حسنٌ على شرط مسلم
ثم ذهب يخرج الحديث من رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري:
قلت: ينبغي تخريج الروايتين ببعض التوسع، لبيان ما فيهما، مما لا تطمئن معه النفس إلى ثبوتهما.
فالحديث يرويه عبد الرزاق من طريقين:
الطريق الأولى:
يروي الحديث عبد الرزاق - لكني لم أقف عليه في الجامع الكبير (وهو المُصَنَّفُ) - وقطن بن نسير وغيرهما عن جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس:
قال الإمام أبو الحسن الدارقطني (كما في أطراف الغرائب والأفراد - 681) : غريبٌ من حديث ثابت عن أنس، تفرد به جعفرٌ عنه، وتفرد به عنه عبد الرزاق
وقد ذكر ابن عدي (في ترجمع جعفر بن سليمان من الكامل:343 - ج 2/ص 144)
هذا الحديث قال: أخبرنا أبو يعلى، حدثنا قطن بن نسير، أخبرنا جعفر بن سليمان، به ..
وذكر أحاديث أخرى ثم قال:
وهذه الأحاديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس كلها إفرادات لجعفر لا يرويها عن ثابت غيره، ولجعفر حديثٌ صالحٌ، ورواياتٌ كثيرة، وهو حسن الحديث ...
قلت: كأن الدارقطني لا يعتدُّ بقَطَن بن نُسَير، وهو صدوقٌ يخطئ، غير أن روايته قد ترفع العهدة عن عبد الرزاق:
وقال البزار في المسند (6877) : وهذا الحديث لا نعلم رواه عن ثابت عن أنس إلا جعفر بن سليمان، وقد رواه الزهري عن أنس.
قلت: والحديث يرويه عن عبد الرزاق، جماعة منهم
-إسحاق بن منصور (وعنه الترمذي في الجامع 3084، والشمائل 246)
-الحسن بن علي الحلواني (وعنه أبو بكر بن أبي عاصم في الجهاد 216 - عن جوامع الكلم، وتحرف فيه جعفر إلى معمر)
-الحسين بن مهدي (وعنه البزار في المسند 6877) وقال في روياته: اليوم نضربكم على تأويله - بدل تنزيله
-خُشيش بن أصرم (وعنه النسائي في المجتبى 2886، وفي السنن الكبرى 3842)
-عبد بن حميد (المنتخب 1254/ التركية)
-محمد بن عبد الملك ابن زنجويه (وعنه النسائي في المجتبى 2906، وأبو يعلى في المسند 3440) وقال في روياته: اليوم نضربكم على تأويله - بدل تنزيله
-محمد بن يحيى الذهلي (وعنه ابن خزيمة 2680)
وقد تابع عبد الرزاق قطن بن نسير - وهو صدوق يخطئ - وعبد الله بن أبي بكر المقدمي (وعنه أبو يعلى في المسند 3994، والمعجم 214: قال أبو يعلى: وكان ضعيفا - يعني شيخه) ويحيى بن عبد الحميد الحمَّاني (الحلية 6/ 292 - عن كتاب سنن الأصفهاني / لعبد السلام بن محمد بن عمر علوش/الرشد)
هذا، ولم أجد هذا الحديث في المصنف لعبد الرزاق.
وقد أوقفني شيخنا د/ رفعت فوزي - حفظه الله - على فائدة أخرى، من الروض الأنُف (وهو شرح على السيرة لابن هشام/ ط: مؤسسة نبع الفكر العربي للطباعة/ ص 69 - باب عمرة القضاء) :
قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة في تلك العمرة دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله - خلوا فكل الخير في رسوله
يا رب إني مؤمن بقيله -- أعرف حق الله في قبوله
نحن قتلناكم على تأويله -- كما قتلناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله - ويُذهل الخليل عن خليله
قال ابن هشام: (نحن قتلناكم على تأويله) إلى آخر الأبيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم، والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين، والمشركون لم يقروا بالتنزيل، وإنما يُقتل على التأويل من أقرَّ بالتنزيل.
قلت: عبد الله بن أبي بكر هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو ثقة من أصحاب أنس، فلو كان سمعه من أنس لحدث به كذلك، فأخشى أن يكون جعفر بن سليمان وَهِمَ على ثابت فنسب هذا الكلام إليه، ثم رواه عبد الرزاق عنه من حفظه، فذكر بعض الرجز (تأويله) وحدث به من حفظه مرة أخرى فذكر بعضه الآخر (تنزيله)
وحديث محمد بن إسحاق المرسل قد رواه البيهقي في دلائل النبوة بإسناد فيه أحمد بن عبد الجبار العطاردي - قال الحافظ: ضعيفٌ وسماعه للسيرة صحيح / وتعقبه شيخانا صاحبا التحرير (64) بأنه صدوق حسن الحديث ربما خالف، في مبحث لا يخلو من طول- ولعل هذا لا يقدح فيه لأن أبا محمد عبد الملك بن هشام رواه عن زياد بن عبد الله البكَّائي - وكان ثبتا في المغازي- عن محمد بن إسحاق. (ينظر السيرة لابن هشام، ط/دار إحياء التراث العربي، بتحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي، ج 4/ص 13)
وقد أخرج القصة بتمامها البيهقي في الدلائل أيضا من رواية موسى بن عقبة - وهو إمام في المغازي - عن الزهري مرسلا، بما يوافق رواية محمد بن إسحاق،
والزهري أثبت أصحاب أنس، فلو كان من حديث أنس لرواه عنه،
والمرسل عندي أشبه بالصواب، والله تعالى أجل وأعلم
يتبعه إن شاء الله تعالى بقية الكلام على هذه الرواية، مع الكلام على رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس
... رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس
قال الإمام أبو زرعة الدمشقي
1153 - قَالَ: فَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ الْأَوَّلُ الَّذِي أَنْكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، فَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَبُّويْهِ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قال: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم وَابْنُ رَوَاحَةَ آخِذٌ بِغَرْزِهِ وَهُوَ يَقُولُ:"خَلُّوا بَنِي الكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ"
وقال أبو زرعة الدمشقي أيضا في الفوائد المعللة - عن جوامع الكلم:
{أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَبُّوَيْهِ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:"دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ وَابْنُ رَوَاحَةَ آخِذٌ بِغَرْزِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ"فَأَنْكَرَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: فَكَانَ يَحْفَظُ؟ قَالَ: كَانَ يَحْفَظُ حَدِيثَ مَعْمَرٍ، قِيلَ لَهُ وَأَنَا أَسْمَعُ: فَمَنْ أَثْبَتُ فِي ابْنِ جُرَيْجٍ، هُوَ أَوْ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ؟ قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ}
وقال أبو بكر البزار (6301) :
{وَهَذَا الْحَدِيثُ لا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ إِلَّا مَعْمَرٌ، وَلا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ إِلَّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ}
وهذه الرواية رواها عن عبد الرزاق جماعة، منهم:
1 -إبراهيم بن سويد الشبامي (السنن الكبرى للبيهقي 10/ 228 عن جوامع الكلم)
2 -أحمد بن الأزهر بن منيع بن سليط (السنن الصغرى للبيهقي 4676 والكبرى 10/ 228)
3 -أحمد بن شَبُّوَيه (تاريخ أبي زرعة الدمشقي 1153)
4 -الحسن بن علي الحلواني (الآحاد والمثاني 1984 - عن جوامع الكلم)
5 -الْحُسَيْنُ بْنُ مَهْدِيٍّ (وعنه البزار 6301)
6 -سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ (وعنه البزار 6301 وأبو بكر بن أبي عاصم في الآحاد 1984)
7 -زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (وعنه البزار 6301)
8 -مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ (وعنه البزار 6301)
9 -محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن بن حسان (صحيح ابن حبان 4521)
10 -محمد بن عبد الملك بن زنجويه (وعنه أبو يعلى الموصلي 3579)
11 -محمد بن يحيى الذهلي (في جزئه - مخطوط بالظاهرية- ومن طريقه رواه ا بن السمعاني: المنتخب من معجم شيوخه 122 وشرح السنة للبغوي 3405 - كلٌّ عن جوامع الكلم)
12 -مؤمل بن إهاب بن عبد العزيز (وعنه أبو يعلى الموصلي في مسنده 3571 وفي المعجم 304)
ولإنكار الإمام أحمد بن حنبل وأحمد بن شبويه للحديث وجوه سبق بيانها:
منها:
أن الحديث حدث به عبد الرزاق من حفظه لا من كتابه،
وأنه حدث به عن معمر ولم يتابع على ذلك، وأخطأ فيه على معمر
وأنه جعله من مرفوع حديث الزهري، وإنما روها الزهري مرسلا، كما سبق بيانه
وإذا وجدنا الأئمة الحفاظ ينكرون حديثا، فلا ينبغي أن نسعى لتصحيحه بعلمنا القاصر، لا سيما إذا وجدنا لإنكارهم ما يؤيده، كما هو الحال ها هنا،
وأخشى أن هذا الحديث لا يصح مرفوعا: لا بهذا الإسناد ولا بالذي قبله، والله تعالى أجل وأعلم