قال الإمام أبو داود في كتاب الفرائض، باب من كان ليس له ولد وله أخوات
2891 - حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِى مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَسْتَفْتُونَكَ فِى الْكَلَالَةِ فَمَا الْكَلَالَةُ؟ قَالَ: تُجْزِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ فَقُلْتُ لأَبِى إِسْحَاقَ: هُوَ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَلَدًا وَلَا وَالِدًا؟ قَالَ: كَذَلِكَ ظَنُّوا أَنَّهُ كَذَلِكَ.
فقال أبو عبد الرحمن الوادعي (في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 136) :
هذا حديثٌ صحيحٌ رجاله رجال الصحيح.
قلت: أو غير ذلك،
والحديث يرويه أبو بكر بن عيَّاش المقرئ عن أبي إسحاق، ويرويه الحجاج بن أرطأة عن أبي إسحاق، وكأنه سمعه من أبي بكر فأسقطه من الإسناد، ولا آمن أن يكون دلَّسه،
ورواه أيضا الجراح بن الضحاك الخراساني عن أبي إسحاق، فخالف فيه أبا بكر،
فالحديث رواه عن أبي إسحاق - فيما يبدو للناس - ثلاثة، هم:
1 -أبو بكر بن عياش (مسند أحمد 18888، و 18906، و 18977، والسنن لأبي داود 2891، والجامع للترمذي 3316)
2 -الجراح بن الضحاك الكندي (مستخرج أبي عوانة 5615، ط/ دار المعرفة - عن جوامع الكلم)
3 -الحجاج بن أرطأة (مسند أحمد 18906، 18977، مسند أبي يعلى 1656، مسند الروياني 302)
فأين شعبة وسفيان وإسرائيل من هذا الحديث؟
ولم أر من صرح بسماع أبي إسحاق من البراء، وهو يروي عن البراء مباشرة، ويروي عنه بواسطة، ولم يخرج البخاري في صحيحه عن أبي إسحاق عن البراء شيئا إلا وهو مسموع له،
فأما رواية أبي بكر بن عياش، فقد قال الإمام أحمد في المسند:
18888 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ عَنِ الْكَلاَلَةِ فَقَالَ تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ
وقد تُكُلِّمَ في روايات أبي بكر بن عيَّاش، لا سيما روايته عن الكوفيين، ومنهم بطبيعة الحال: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي.
قال أبو جعفر العقيلي في الضعفاء (ترجمة شعبة بن عيَّاش أبي بكر: رقم 717 - ج 3/ 67) : يروي أبو بكر عن البصريين عن حميد وهشام غير حديث منكر ويخطئ عن الكوفيين خطأ كثيرا،
وقال الفضل بن زياد (16/ 551) : قال أبو عبد الله - قلت: يعني أحمد بن حنبل - أبو بكر يضطرب في حديث هؤلاء الصغار، فأمَّا حديثه عن أولئك الكبار ما أقربه: عن أبي حصينٍ وعاصم، وإنه ليضطرب عن أبي إسحاق أو نحو هذا، ثم قال: ليس هو مثل سفيان وزائدة وزهير، وكان سفيان فوق هؤلاء وأحفظ،
وأما رواية حجاج بن أرطأة (وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس) ، فقد قال الإمام أحمد في المسند:
18906 - حَدَّثَنَا مُعَمَّرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّقِّىُّ حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْكَلاَلَةِ فَقَالَ تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ.
وأما رواية الجراح، فقد قال أبو عوانة في المستخرج:
[5615] حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ أَبِي حَامِدٍ النَّيْسَابُورِيُّ، قثنا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، قثنا الْجَرَّاحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا آخِرُ مَا أنزل اللَّهُ عَلَيْكَ؟ قَالَ:"الآيَةُ الَّتِي نزلت فِي الصَّيْفِ: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ."
فأما الجراح بن الضحاك الكندي فقد قال الإمام البخاري (ترتيب علل الترمذي 590) :
الجراح بن الضحاك مقارب الحديث.
و قال أبو حاتم الرازي (الجرح والتعديل) : صالح الحديث لا بأس به
وأخشى أن يكون ذكر البراء في هذا الحديث وهمًا:
والصواب ما رواه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، قال:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَذَكَرَ نَبِىَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ قَالَ إِنِّى رَأَيْتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِى ثَلاَثَ نَقَرَاتٍ وَإِنِّى لاَ أُرَاهُ إِلاَّ حُضُورَ أَجَلِى وَإِنَّ أَقْوَامًا يَأْمُرُونَنِى أَنْ أَسْتَخْلِفَ وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ وَلاَ خِلاَفَتَهُ وَلاَ الَّذِى بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم فَإِنْ عَجِلَ بِى أَمْرٌ فَالْخِلاَفَةُ شُورَى بَيْنَ هَؤُلاَءِ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ وَإِنِّى قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَقْوَامًا يَطْعَنُونَ فِى هَذَا الأَمْرِ أَنَا ضَرَبْتُهُمْ بِيَدِى هَذِهِ عَلَى الإِسْلاَمِ فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَأُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْكَفَرَةُ الضُّلاَّلُ ثُمَّ إِنِّى لاَ أَدَعُ بَعْدِى شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِى مِنَ الْكَلاَلَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى شَىْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِى الْكَلاَلَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِى فِى شَىْءٍ مَا أَغْلَظَ لِى فِيهِ حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِى صَدْرِى فَقَالَ: يَا عُمَرُ أَلاَ تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِى فِى آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟؟ وَإِنِّى إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِى بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّى أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ وَإِنِّى إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ عَلَيْهِمْ لِيَعْدِلُوا عَلَيْهِمْ وَلِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وسلم وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَيْئَهُمْ وَيَرْفَعُوا إِلَىَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لاَ أَرَاهُمَا إِلاَّ خَبِيثَتَيْنِ هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِى الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا
استكمالا لما سبق من الكلام على الحديث 136:
ثم وجدت الحديث على الصواب عند الشيخين في صحيحيهما، أخرجه الإمام مسلمٌ في صحيحه،
قال رحمه الله في كتاب الفرائض:
حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ أَبِى خَالِدٍ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلاَلَةِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالاَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْكَلاَلَةِ وَآخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ بَرَاءَةُ
وقال الإمام البخاري في كتاب التفسير - سورة النساء - باب: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة:
نساء
4605 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رضى الله عنه قَالَ آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ يَسْتَفْتُونَكَ
فظهر بذلك أن أبا بكر بن عياش قد وهم على أبي إسحاق، وأن الجراح كأنه لم يضبط حق الضبط، وأن حديث أبي إسحاق عن البراء - على الصواب- متفقٌ عليه،
واما سؤال أبي بكر بن عياش أبا إسحاق عن معنى الكلالة، فلا ينكر وليس به بأس، لولا أن الله تعالى قد فسر الكلالة في الآية نفسها،
والله تعالى أجل وأعلم.