قال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق في مسنده، كما في كشف الأستار:
[1183] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالا: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ K: لا يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا إِلا أَبْدَلَهَا اللَّهُ بِهِ خَيْرًا مِنْهُ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
فقال أبو عبد الرحمن الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (231) : هذا حديثٌ صحيحٌ، والجريري هو سعيد بن إياس، اختلط بآخره، ولكن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي روى عنه قبل الاختلاط، كما في الكواكب النيرات.
قلت: على هذا الكلام مؤاخذتان،
أما الأولى، فإن مبلغ العلم أن البزار عقَّب على هذا الحديث بقوله: لا نَعْلَمُهُ عَنْ جَابِرٍ إِلا بِهَذَا الإِسْنَادِ،
قلت: فهذا دليلٌ على تفرد عبد الوهَّابِ به،
وأما الثانية، فالذي يظهر لي أن عبد الوهاب هو ابن عطاء الخفاف،
قال الحاكم في المستدرك:
[4/ 449] أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْعَدْلُ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنٌ عَطَاءٍ، أَنْبَأَ سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لا يَجِيءَ إِلَيْهِمْ دِرْهَمٌ وَلا قَفِيزٌ، قَالُوا: مِمَّ ذَاكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ، يَمْنَعُونَ ذَاكَ، ثُمَّ سَكَتَ هُنَيْهَةً، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الشَّامِ أَنْ لا يَجِيءَ إِلَيْهِمْ دِينَارٌ، وَلا مُدٌّ، قَالُوا: مِمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الرُّومِ، يَمْنَعُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: يَكُونُ فِي أُمَّتِي خَلِيفَةٌ، يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا، لا يَعُدُّهُ عَدًّا،
ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَعُودَنَّ الأَمْرُ كَمَا بَدَأَ، لَيَعُودَنَّ كُلُّ إِيمَانٍ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا بَدَأَ مِنْهَا، حَتَّى يَكُونَ كُلُّ إِيمَانٍ بِالْمَدِينَةِ، [4/ 450] ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ:"لا يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا، إِلا أَبْدَلَهَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ، وَلَيَسْمَعَنَّ نَاسٌ بِرِخَصٍ مِنْ أَسْعَارٍ وَرِيفٍ، فَيَتَّبِعُونَهُ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ."
قلت: فتبين أن عبد الوهاب، وقد جاء هنا منسوبا، هو عبد الوهاب بن عطاء الخفَّاف، لم يخرج له مسلم في المسند الصحيح إلا من روايته عن سعيد بن أبي عروبة،
ولكنه ليس بالذي يعتمد عليه إذا تفرد عن سعيد بن إياس الجريري، ولم يخرج أحد من أصحاب الكتب التسعة شيئا من حديث عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن إياس، إلا الإمام أحمد، أخرج له حديثين، وأخشى أن يكون عبد الوهاب - فوق ذلك - سمع من الجريري في كبر سنه،
وقد أغنى عن هذا الحديث ما رواه البخاري في كتاب فضائل المدينة من الجامع الصحيح، قال في باب من رغب عن المدينة:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِى زُهَيْرٍ رضى الله عنه أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِى قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ فَيَأْتِى قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِى قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. (تحفة الأشراف 4477)
وقال الإمام مسلم في كتاب الحج من المسند الصحيح:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ حَدَّثَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنِّى أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَىِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا وَقَالَ الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ لاَ يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلاَّ أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَلاَ يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلاَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (تحفة الأشراف 3885)
والله تعالى أجلُّ وأعلم