فإن قيلَ: كيفَ هنا {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} وقال في آيةٍ أخرى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ} [السجدة: 11] ؟
قيلَ: إنَّ مَلَكَ الموتِ هو الذي يقبضُ الأرواحَ كلَّها وهو القائمُ بذلك؛ إلا أنَّ له أعوانًا؛ فتارةً أضافَ قبضَ الروحِ إلى مَلَكَ الموتِ؛ لأنه هو المختصُّ بذلك، وتارةً أضافَهُ إليه وإلى غيرِه؛ لأنَّهم يَصْدُرُونَ في ذلك عن أمرهِ.
وقال مجاهدُ: (جُعِلَتِ الأَرْضُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ كَالطَّشْتِ يَتَنَاوَلُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ، ولَهُ أعْوانٌ يَتَوَفَّوْنَ الأَنْفُسَ، ثُمَّ يَقْبضُهَا مِنْهُمْ) . ويقالُ: إنَّ أعوانَ مَلَكِ الموت يستخرجون الروحَ من الأعضاءِ عُضْوًا عُضْوًا، حتى إذا جَمَعُوهُ في صدرهِ وجعل يُغَرْغِرُ به؛ قبضَهُ حينئذٍ مَلَكُ الموتِ.
وقد رويَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنَّهُ دَخَلَ عَلَى مَرِيْضٍ يَعُودُهُ، فَرَأَى مَلَكَ الْمَوْتِ عِنْدَ رَأسِه؛ فقَالَ:"يَا مَلَكَ الْمَوْتِ؛ ارْفُقْ بهِ، فإِنَّهُ مُؤْمِنٌ، فقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ: ياَ مُحَمَّدُ؛ أبْشِرْ وَطِبٍ نَفْسًا وَقَرَّ عَيْنًا؛ فإِنِّي بكُلِّ مُؤْمِنٍ رَفِيْقٌ، إنِّي لأقْبضُ رُوحَ الْمؤْمِنِ فَيُصْعَقُ أهْلُهُ فَأعْتَزِلُ فِي جَانِبِ الدَّار، فأََقُولُ: مَا لِي مِن ذنْب، وَإِنِّي لَمَأْمُورٌ، وَإنَّ لِي لَعَوْدَةً فَالْحَذرَ الْحَذرَ، وَمَا مِنْ أهْلِ بَيْتِ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ، فِي بَحْرٍ أو بَرٍّ، إلاَّ وأَنَا أَتَصَفَّحُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، حَتَّى أنِّي لأَعْلَمُ بصَغِيْرِهِمْ وَكَبيْرِهِمْ مِنْهُمْ بأَنْفُسِهِمْ، وَاللهِ لَوْ أَرَدْتُ أنْ أقْبضَ رُوحَ بَعُوضَةٍ لَمَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا حَتَّى يَأْمُرَنِي اللهُ تَعَالَى بقَبْضِهَا"."