فإن قيل: كيفَ قال الله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} فجعلَ المطر سَبَبًا للنباتِ، والفاعلُ بالسبب يكون مستعينًا بفعلِ السبب، واللهُ تعالى مُسْتَغْنٍ عن الأسباب؟
قيل: إنَّما قال اللهُ تعالى: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} ؛ لأن المطرَ سببٌ يؤدِّي إلى النَّبات، وليس بمولودٍ لهُ، واللهُ تعالى قادرٌ على إنبات النباتِ بدون المطر، وإنَّما يكون الفاعلُ بالسبب مستعينًا بذلك السبب إذا لم يُمكنه فعلُ ذلك الشَّيء إلا بذلك السبب، كما أنَّ الإِنسانَ إذا لم يُمكنه أن يصعَد السطحَ إلا بالسُّلَّمِ، كان السُّلَّمُ آلةَ الصُّعود، والطائرُ إذا صعدَ السطح بالسُّلَّمِ، لم يكن السُّلَّمُ آلةً لهُ؛ لأنه يُمكنه أن يصعدَ السطحَ بدون السُّلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} قال الزجَّاج: (فِي الآيَةِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ دَانيَةٌ وَغَيْرُ دَانِيَةٍ؛ وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ بَعِيْدَةَ الْمُتَنَاوَلِ) .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} ؛ أي وأخرجنَا من شجرِ الزَّيتونِ وشجر الرُّمَّانِ، {مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} أي منها ما يُشْبهُ غيرَه في الصُّورةِ واللَّون، ومنها ما لا يشبهُ. وَقِيْلَ: معناهُ: متشابهًا في المنظرِ واللَّونِ، وغيرَ متشابهٍ في الطَّعمِ مثلَ الرُّمَّانِ الحامضِ والْحُلْوِ. والفائدةُ في الجمعِ بين شَجَرِ الزيتونِ وشَجَرِ الرُّمانِ في هذه الآيَةِ: بأنَّهما شجرَتان يشتملُ ورقُهما على الغُصْنِ من أوَّلهِ إلى آخره مشتبهٌ بأوراقِهما، ومختلفٌ ثِمارهما.