فإن قِيْلَ: ما وجهُ مخادعتِهم اللهَ؛ وهو لا يَخفى عليه شيء؟
وما وجهُ مخادعةِ المؤمنين ومخادعةِ أنفسهم؟
قيل: المخادعةُ الإخفاءُ، يقال: انخدعَتِ الضَّبيةُ في جُحرها. واللهُ تعالى لا يخادَع في الحقيقةِ، ولكن أطلقَ عليه اسمُ المخادعةِ لَمَّا فعَلُوا فعلَ المخادِعين. ولو كان يصحُّ لَهم خِداعُهم لقالَ: يَخْدَعُونَ اللهَ. وَقِيْلَ: معناهُ: يخادعونَ رسولَ اللهِ.
وأما مخادعةُ المؤمنينَ، فإظهارُهم لَهم الإسلامَ تَقِيَّةً؛ وَقِيْلَ: إظهارُ الإسلامِ لَهم ليكرِمُوهم ويبجِّلوهم. وَقِيْلَ: أظهَروا لَهم ذلك لِيُفْشُوا إليهم سرَّهُم فينقلوهُ إلى أعدائِهم. وأمَّا مخادعةُ أنفُسِهم فضررُ ذلك عليهم. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم} ؛ لأنَّ وبالَ الخداعِ عائدٌ إلى أنفسهم فكأنَّهم في الحقيقة إنَّما يخدعونَ أنفسهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} ؛ أي وما يعلمون أنهُ كذلك. والشعرُ: هو العلمُ الدقيقُ الذي يكون حادِثًا من الفطنةِ؛ وهو من شِعَار القلب؛ ومنه سُمي الشاعرُ شاعرًا لفطنتهِ لما يدقُّ من المعنى والوزنِ، ومنه الشعرُ لدقَّتهِ. ويقال: ما شَعَرْتُ به؛ أي ما عَلِمْتُ بهِ. وليتَ شِعْرِي ما صنعَ فلانٌ؛ أي ليتَ عِلْمِي.