فإن قيل: لِمَ لَمْ يَثْبُتْ إبراهيمُ على الحجَّة الأولى؛ والانتقالُ من الحجة إلى حجَّةٍ أخرى في المناظرةِ غيرُ محمودٍ؟
قيل: عنهُ أجوبةٌ:
أحدُها: أن إبراهيم كان داعيًا ولم يكن مُناظرًا، فمى كان يراهُ أقربَ إلى الهداية أخذَ به.
والثاني: أنه روي أنه قالَ لنمرود: إنكَ أمََتَّ الحيََّ ولم تُحْيي الميَّتَ، والانتقالُ بعد الإلزامِ محمودٌ.
والثالث: أن نَمرودَ كان عالمًا أن ما ذكرهُ ليس بمعارضةٍ وكان مَن حوله من أصحابهِ يوقنون بكذبهِ في قوله: {أنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} لكن أرادَ التمويهَ على أغمَار قومه كما قال فرعونُ للسحرة حين آمنوا: أن هذا المكرَ مكرتُموه في المدينةِ، كذلك فعلَ نَمرودُ بقوله: {أنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} . فتركَ إبراهيم إطالةَ الكلامِ، وعَدَلَ إلى حجَّةٍ مسكتةٍ لا يُمكنه التمويهُ فيها.
فإن قيل: فهلاَّ قال نَمرود لإبراهيمَ: إن مجيءَ الشمس هو العادةُ؟
فقُلْ لربك حتى يأتي بها من المغرب! قيل: عَلِمَ لِمَا رأى من المعجزات التي ظهرت أنهُ لو سأله ذلك لأتى بهِ. فكان يزدادُ فضِيحة عند الناسِ. وقيل: خَذَلَهُ عن هذا القولِ، فلم يُوَفَّق للسؤالِ.