فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 347

قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} ؛ أي أجَبْنَا دعوته ونَجَّيْنَاهُ من تلكَ الظُّلمات، {وَكَذالِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} ؛ إذا دَعَوْنِي، كما نَجَّينا ذا النُّون. قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"اسْمُ اللهِ إذا دُعِيَ أجَابَ، وَإذا سُئِلَ بهِ أُعْطَي: دَعْوَةُ يُونُسَ بْنِ مَتَّى"قِيْلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هِيَ لِيُونُسَ خَاصَّةً أمْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِيْنَ؟

قَالَ: لِيُونُسَ خَاصَّةً، وَلَهُ وَلِلْمُؤْمِنِيْنَ عَامَّةً، أُدْعُوا بهَا، ألَمْ تَسْمَعْ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى {وَكَذالِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} "."

واختلفَتِ القراءاتُ في قولهِ {وَكَذلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} ، قرأ ابنُ عامرٍ وأبو بكرٍ: (نُجِّي الْمُؤْمِنِيْنَ) بنون واحدةٍ وتشديد الجيمِ وتسكين الياءِ. وجميعُ النحويين حَكَمُوا على هذه القراءةِ باللَّفظِ، وقالوا: هي لَحْنٌ، ثُم ذكرَ الفرَّاء لَها وجهًا فقالَ: أضْمَرَ الْمَصْدَرَ فِي (نُجِّي) أي نُجِّيَ النِّجاءُ الْمُؤْمِنِيْنَ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ الضَّرْبَ زَيْدًا عَلَى إضْمَار الْمَصْدَر؛ أي ضُرِبَ الضَّرْبَ زَيْدًا.

وقال الشاعر:

وَلَوْ وَلَدَتْ قُفَيْرَةُ جَرْوَ كَلْبٍ ... لَسُبَّ بذلِكَ الْجَرْو الْكِلاَبَا

ومِمن صوَّبَ هذه القراءةَ أبو عُبيد، وأما أبو حاتَم السَّجستانِيُّ فإنه لَحَنَهَا ونسبَ قارئَها إلى الجهلِ وقال: (هَذا لَحْنٌ لاَ يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ، وَلاَ يُحْتَجُّ بمِثْلِ ذلِكَ الْبَيْتِ عَلَى كِتَاب اللهِ، إلاَّ أنْ تَقُولَ: وَكَذِكَ نُجِّيَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَوْ قَرَأ ذلِكَ لَكَانَ صَوَابًا) .

قال أبو علي الفارسيُّ: (هَذا إنَّمَا يَجُوزُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ.

فَإنْ قِيْلَ: لِمَ كُتِبَ فِي الْمَصَاحِفِ بنُونٍ وَاحِدَةٍ؟

قِيْلَ: لأنَّ الثَّانِيَةَ لَمَّا سُكِّنَتْ وَكَانَ السَّاكِنُ غَيْرَ ظَاهِرٍ عَلَى اللِّسَانِ حَذفَهُ، كَمَا فَعَلَ ذلِكَ فِي (ألاَّ) فَحَذفُوا النُّونَ مِنْ (أنْ لاَ) لخفائها إذا كَانْتْ مُدْغَمَةً فِي اللاَّمِ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت