وقَوْلُهُ تَعَالَى حاكيًا عن زكريَّا: {وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ} هذا المقلوبُ؛ أي وقد بَلَغْتُ الْكِبَرَ وَشِخْتُ.
فإن قيلَ: هل يجوزُ أن يقولَ الإنسانُ بَلَغَنَا الْبَلَدُ كما يقولُ بَلَغْتُ الْبَلَدَ؟
قيلَ: لا يجوزُ ذلك بخلافِ قولهِ: {بَلَغَنِي الْكِبَرُ} بمعنى بلغتُ الكبرَ، والفرقُ بينهما أنَّ الكِبَرَ طالبٌ للإنسانِ لإتيانه عليه بحدوثهِ فيه، والإنسانُ كالطالب للكِبَرِ لبلوغهِ إيَّاه بمرور السنينِ والأعوامِ عليه، وأمَّا البلدُ فلا يكونُ طالبًا للإنسانِ، كما يكونُ الإنسانُ طالبا للبلد.
فإن قِيْلَ: كيفَ قال زكريَّا {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} فاستبعدَ أن يعطيَه اللهُ ولدًا على كِبَرِ السِّنِّ من امرأةٍ عاقرٍ بعدمَا بشَّرتْهُ الملائكةُ بذلك؟
قيل: لَم يكن هذا القولُ منه على جهةِ الاستبعاد ولكنْ من شأنِ من بُشِّرَ بما يتمنَّاهُ أن يحملَه فَرْطُ سُرُورهِ به على الزيادةِ في الاستكشافِ والاستثبَات، كما يقولُ الإنسانُ إذا رأى شيئًا مِن الأمور العظيمة: كيفَ كان هذا؟! على جهةِ الاستعظامِ لقدرةِ الله تعالى لا لِشَكٍّ في القدرة.
وقيل: معناه: على أيِّ حال يكون الولدُ أيَرُدُّنِي اللهُ وامرأتِي إلى حالِ الشَّباب، أم على هذهِ الحالةِ؟! وقيلَ: معناهُ: أيَرْزُقُنِي اللهُ الولدَ من امرأتِي هذهِ أو من امرأةٍ غيرها شابَّة؟
فقيلَ لهُ {كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} ؛ أي كإثْمار السَّعفة اليابسةِ؛ يفعلُ الله ما يشاءُ.