معناهُ: يأتوكَ مُشَاةً على أرجُلِهم وعلى كلِّ جَمَلٍ مهزولٍ أضْمَرَهُ السفرُ، ورجَالٌ جمع رَاجِلٍ، نحو صاحِبٍ وأصحابٍ.
وعن ابنِ عبَّاس أنه قالَ: (مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ فَاتَنِي إلاَّ أنِّي لَمْ أحُجَّ رَاجِلًا) ، وقد حَجَّ الْحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا خَمسًا وعشرين حَجَّةً ماشيًا من المدينةِ إلى مكَّةَ، وأن النَّجَائِبَ لتقادُ معه.
وعن رسولِ الله صلى عليه وسلم أنهُ قال للحُجَّاجِ:"لِلرَّاكِب كُلُّ خَطْوَةٍ تَخْطُوهَا رَاحِلَتُهُ سَبْعِيْنَ حَسَنَةً، وَلِلحَاجِّ الْمَاشِي بكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا سَبْعُمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ"قِيْلَ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟
قَالَ:"الْحَسَنَةُ بمِائَةِ ألْفٍ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} ؛ أي من بُلدانٍ شتَّى، مِن كلِّ طريقٍ بعيد، يقالُ عَمِيقَة إذا كانت بعيدةَ القرارِ. وإنَّما قال (يَأْتِيْنَ) ؛ لأنه في معنى الجمعِ، وَقِيْلَ: معناهُ: وعلى نَاقَةٍ ضَامِرَةٍ.
وعن بشْرِ بن مُحَمَّدٍ قال: رأيتُ في الطَّوافِ كَهْلًا قد أجهدتْهُ العبادةُ، واصفَرَّ لونهُ، وبيدهِ عصا وهو يطوفُ معتمدًا عليها، فتقدَّمتُ إليه لأسألَهُ، فقال لِي: مِن أين أنتَ؟
فقلتُ: من خُراسان، قال: من أيِّ ناحيةٍ هي؟
قلتُ: من نواحي المشرقِ، فقال لِي: فِي كم تقطعونَ هذا الطريقَ؟
قلتُ: شهرين أو ثلاثة، قال: أفلاَ تَحُجُّونَ في كلِّ عام وأنتم جيرانُ البيتِ؟
قلتُ: وأنتم كم بينَكُم وبين هذا البيتِ؟
فقال: مسيرةُ خمسِ سنين، فقلتُ: والله إن هذا الجهدُ لَبَيِّنٌ، والطاعةُ الجميلة والمحبة الصادقةُ، فضَحِكَ في وجهي وأنشأَ يقولُ:
زُرْ مَنْ هَوَيْتَ وَإنْ شاطتَ بكَ الدارُ ... وَحَالَ مَنْ زُرْتَهُ حُجُبٌ وَأسْتَارُ
لاَ يَمْنَعَنَّكَ بُعْدًا مِنْ زِيَارَتِهِ ... إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يَهْوَاهُ زَوَّارُ