فبعد جولتي ورحلتي الحقيقية إلى أرض الكنانة، تلتها جولة علمية حديثية نظرية على رحلة أهل الحديث، والآن نرجعإلى ما كنا قد بدأنا قبل السفر مما أسميناه: (دليل الفلاح في أولوية المصطلح) ، وكنا قد تكلمناعلى تعريف علم الحديث رواية، ودراية على جهة الإجمال، ونزيد الآن ونقول-: علم الحديث رواية، أي: من جهة الرواية والتفكُّر في أسانيده ومتونه-: (هو علمٌ يُبحث فيه عن معاني ألفاظ الأحاديث والمرادِ منها مبيَّنًا على القواعد العربية، والضوابط الشرعية)
وينبغي أن نعلم:(أن لكل علم موضوعًا، ومبادئَ، ومسائلَ ... فالموضوع: ما يُبحث في ذلك العلم عن أعراضه الذاتية [1] -وعليه: فموضوع هذا العلم هو: ما أضيف إلى النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، أو: الصحابي، أو: التابعي، فإنه يبحث في هذا العلم عن روايتها وضبطها ودراسة أسانيدها ومعرفة حال كلِّ حديث أنه صحيح، أو: حسن، أو: ضعيف، كما أنهم يبحثون في هذا العلم عن هذا الحديث وما يُستنبط منه من الفوائد.
فعلم الحديث يحقق بذلك غايةً عظيمةً جدًا تقوم على:"الصون عن الخلل في نقل الحديث" [2] .
وذلك بالمحافظة عليه، ونقلِه كما ورد.
ثم إنه يحقق-بما بُذل في شروحه من الجهود-معرفة هذا الحديث الذي نريده أنه مقبول فنعمل به، أو: مردود فلا يعمل به، ويبين لنا معناه، وما يُستنبط منه من الفوائد، وهو علم عظيم القدر والشأن يدني إلينا علم فيوضات النبوة) [3] .
(1) -انظر: (قواعد في علوم الحديث) (ص:32) .
(2) -انظر: حاشية الصعيدي على (فتح الباقي) (ق 9 آ) ، وحاشية الأجهوري على (شرح النخبة) (ق 6 ب) ، و (منهج النقد في علوم الحديث) (ص:31) .
(3) -وقال الكرماني: إن موضوع علم الحديث:"ذات رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-من حيث إنه رسول الله". وقلده في ذلك بعض من عاصرنا من الكاتبين في هذا الباب.
لكن في هذا التعبير رغم جزالته وروعته توسعًا كبيرًا. إذ شمل علومًا أخرى ليست من الحديث، فإنه يتناول القرآن لأنه صدر عنه -عليه الصلاة والسلام-بحكم الرسالة على سبيل التبليغ عن الله، ويشمل إثبات رسالته وهي من علم التوحيد.
وأيضًا فإنه يخرج عن موضوع العلم الأحاديث الواردة في صفاته الخِلقية المنيفة وتاريخ مولده ونسبه ووفاته، ونحو ذلك، مما لا يتعلق بالرسالة وهو من الحديث بالإجماع.
وأيًا ما كان الأمر فلا خلاف في أن السيرة، وما يلحق بها من شرح واستنباط كل ذلك من علم الحديث، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر. انظر هامش: (منهج النقد في علوم الحديث) (ص:31/ 32) .