ومرة قال أيضًا-رحمه الله تعالى-: (إن الحديث الحسن لغيره، وكذا الحسن لذاته، من أدق علوم الحديث وأصعبها، لأن مدارهما على من اختلف فيه العلماء من رواته، ما بين موثق ومضعف، فلا يتمكن من التوفيق بينهما، أو: ترجيح قول على أقوال الأخرى، إلا من كان على علم بأصول الحديث وقواعده، ومعرفة قوية بالجرح والتعديل، ومارس ذلك عمليًا مدةً طويلة من عمره، مستفيدًا من كتب التخريجات، ونقد الأئمة النقاد، عارفًا بالمتشددين منهم والمتساهلين، ومن هم وسط بينهم، حتى لا يقع في الإفراط والتفريط، وهذا أمر صعب، قل من يصير له، وينال ثمرته، فلا جرم أن صار هذا العلم غريبًا بين العلماء، والله يختص بفضله من يشاء) .
ولذا نرى أن الحافظ ابن رجب يذكر في بعض الأحيان حديثًا ويقول:"هذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث من السلف على إنكاره على أبي إسحاق ...".
فهو معلول عند أهل الحديث، أما الفقهاء فينظرون إلى توثيق الراوي وكفى، وهذا خطأ ولذلك قال الحافظ ابن رجب:"وأما الفقهاء المتأخرون، فكثير منهم نظر إلى ثقة رجاله، فظن صحته، وهؤلاء يظنون أن كل حديث رواه ثقة فهو صحيح، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث، ووافقهم طائفة من المحدثين المتأخرين، كالطحاوي، والحاكم، والبيهقي".
س: هل عند اعتبارنا الروايات بغيرها نكتفي بالمرفوعات فقط أم ماذا؟ الجواب: لا نكتفي بالرفوعات فقط، بل: لا بد من النظر في الموقوفات التي تروى في الباب،"فإن الحديث الذي نرويه مرفوعًا قد يكون الصواب فيه الوقف، فبدون معرفة الموقوفات التي في الباب لا يتبين لنا أخطاء الرواة، وكذلك المراسيل، فبدون معرفتنا بالمراسيل التي تروى في الباب لا يتبين لنا خطأ من روى الحديث موصولًا والصواب أنه مرسل" [1] .
(1) -انتهى من كتاب:"ضوابط تحقيق الأحاديث""ص:3/ 7"لشيخنا طارق عوض الله، بتصرف كبير مني.