فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 481

اختصارًا أيُّها الأعزّاء؛ فإن قصة تسليم كارلوس دفعَت إلى ذهني هذه الصورة وجعلتني أتصور أن كارلوس كان هو الضحية الأولى وأن طبيعة البحر السياسي الدولي أكثر وحشيةً من طبيعة البحار الطبيعية التي هي من عباد الله الذين لا يعصونَ الله ما أمرهم؛ لأن البحر السياسي قائمٌ على الكفر ومحاربة الله ومزاحمته في الأرض ومنافسته في الربوبية، لهذا فإن البحر السياسي لن يرضى بإلقاء ضحيةٍ واحدة أو اثنتين بل إن شهيته وجشعه تثور وتطلب المزيد ولن يتوقف حتى يمضغ أخشاب القارب ويبتلعها في جوفه إن استطاع.

أيُّها الإخوة الأحبّاء؛ إن جزيرة الأهوال الجبلية هنا في أفغانستان أهونُ كثيرًا من الباطن المظلم والنتن لبحر السياسة الدولية التي لا تُخفي نهمها في ابتلاعنا جميعًا إن استطاعت. لهذا أرى أنه من العقل والحكمة الإبقاء على الجزيرة التي نمتلكها نسبيًا في أفغانستان، وأن نُبقي لنا على ظهرها كوخًا وبندقية ضد وحش السياسة ورجالًا يحمونها ويرتكزون عليها في حملاتهم الجهادية والدعوية في وسط آسيا وربما أجزاءً أخرى من العالم، وربما تشعرون يومًا أن القارب بدأ يتمايل ويئن من ثقلكم فتبقة لكم إمكانية السابحى أو الطيران إلى جزيرتكم الجبلية الحبيبة، تقاتلون من حصونها حتى يحكم الله بيننا وبين الكفار والمرتدين بالحق وهو أحكَمُ الحاكمين.

وهكذا انتهى الجانب العملي من هذه الرسالة غير المسلية ...

يَتَبَقَّى الجانب الشخصي وهو أنني أتمنى أن أنتقل مع أسرتي إلى السودان وأن أتقاعدَ هناك الأيام أو الساعات القليلة المتبقية من هذا العُمر الطويل، لقد انقضى نصف قرنٍ من حياتي على هذه الأرض فلا أقلَّ من أيامٍ إلى جانب النيل الحبيب أصيدُ السمَك في مياهه المباركة وأقرأ كثيرًا من الكتب وأكتب قليلًا، وأفتح معكم نقاشاتٍ بيزنطية لا تنتهي، حيث أننا لا نتفقُّ أبدًا على شيء إلا فيما نَدَر وحول جزئياتٍ لا قيمة لها، كم كانت جميلةٌ تلك الأيام الأفغانية التي كانت حلمًا لا أُصَدِّقُ أنه مرَّ هكذا وأنتجَ لنا تلك الثمار التي أكثرها في طعم العلقَم، ولكن بعضها مباركٌ ومن ثمار الجنّة.

ما أتمناه أن تجتمع أسرتي كاملةً في بلدٍ عربي، وليس لنا إلا السودان، وحتى لو كان القارب الضعيف في خطرٍ من أمواج الكُفر الدولية، أشعر أنني مللت في هذا الغربة والظروف القاسية حولنا، ولا يعني ذلك دعوةً جماعيةً لهجران المنطقة كلها فموعدُ القَدَر مع جيوش خُراسان ليس ببعيد وإنّا لمنتظرون.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم حسّان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت