الفصل الثالث
خاتمة
مما سبق ترى يا أخي المسلم أن هذه الشبهة هي من زلات العلماء فلا يجوز تقليدهم فيها، وقد روى الدارمي في سننه عن زياد بن حيدر قال (قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين) . [1]
وقد أورد أبو عمر بن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم 9 فصلا في خطر زلة العالم، ونقله عنه ابن القيم في اعلام الموقعين(2/ 173 - 175) ونقله كذلك الشاطبي في الموافقات (4/ 168 - 172)
ثم قال الشاطبي: (إذا ثبت هذا فلا بد من النظر في أمور تبنى على هذا الأصل.(منها) أن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليدا له، وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عدت زلة، وإلا فلو كانت معتدا لها لم يجعل لها هذه الرتبة، ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها، كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير ولا أن يشنع عليه بها، ولا ينتقص من أجلها، أو يعتقد فيه الاقدام على المخالفة بحتا، فإن هذا كله خلاف ما تقضي رتبته في الدين، وقد تقدم من كلام معاذ بن جبل وغيره ما يرشد إلى هذا المعنى.
(ومنها) أنه لا يصح اعتمادها خلافا في المسائل الشرعية، لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد فهو لم يصادف فيه محلا، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد. وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن ادلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا. فلذلك إنه لا يصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل والمتعة ومحاشي النساء وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها) اهـ [2]
(1) صححه الألباني في مشكاة المصابيح بتحقيقه (1/ 89) .
(2) الموافقات للشاطبي (4/ 172،170) .