العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر )) [رواه أبو داود والترمذي والدارقطني] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ) ) [رواه الترمذي] . وهذه المكانة التي أعطاها الله ورسوله للعلماء عرفها سَلَفُ الأُمَّة لهم فقال الأوزاعي رحمه الله:"الناس عندنا أهل العلم ومن سواهم فلا شيء."وقال سفيان الثوري رحمه الله:"لو أن فقيهًا على رأس جبل لكان هو الجماعة."
وهذه المنزلة العظيمة للعلماء في الإسلام نابعةٌ من عِظَم الدور وأهمية المسؤولية الملقاة على كاهلهم بمقتضى ميثاق بيان الحق الذي أخذه الله عليهم وميراث النبوة الذي ورثوه، ومن هنا تأتي خطورة النيل منهم والتنقيص من قدرهم، لما في ذلك من الطعن في العلم الذي يحملونه، والحق الذي يدعون إليه الذي هو ميراث النبوة والطعن فيه طعن في الإسلام ذاته، كما أن الطعن في العلماء مقدمة لتحطيم مصداقيتهم، وإفراغ الأُمَّة من القيادات الشرعية والموجهة، وما سيترتب على ذلك من تصدر الجهال وسيادتهم في الأُمَّة وإفتائهم للناس بغير علم وضلالهم وإضلالهم بذلك. ولهذا حذر أهل العلم من الطعن في العلماء شديد التحذير، قال ابن عساكر:"واعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وأن أحوال الله في هتك منتقصيهم معلومة، وأن من تكلم فيهم بالثلب، أصابه الله قبل موته بموت القلب."
نعم؛ تلك هي مكانة أهل العلم ومنزلتهم وذلك بعض من آثار النيل منهم وتنقيصهم، فمن هم أهل العلم هؤلاء؟
ثانيًا: الفرق بين علماء الحق وعلماء الباطل
كل النصوص التي تتحدث عن العلماء وفضلهم، ومكانتهم ومنزلتهم، وتحذر من النيل منهم، تقصد فئة العلماء العاملين الناهضين بأعباء ميراث النبوة، الموفين بمقتضى الميثاق الذي أخذه الله عليهم بالجهر بالحق وبيانه، والصدع به وعدم كتمانه، فالعلماء بالمعنى الشرعي كما قال الإمام الشافعي:"هم العلماء العاملون."
وبقدر ما رفع الله من شأن هؤلاء حط وخفض من منزلة غيرهم من علماء السوء الذين يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، وقص علينا في القرآن من شأن هؤلاء ما فيه عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فذكر في سورة الأعراف مثلًا لهؤلاء هو ذلك العالم الذي آتاه الله آياته وعلمه اسمه الأعظم - كما يقول المفسرون - لكنه لم يقم بحق العلم، بل أَخلدَ إلى الأرض واتبع هواه وانغمس في شهواته، وبدلًا من أن يرشد قومه إلى سبل الخير دلهم على سبل الشر، فاستحق ما وصفه الله به في نهاية الآيات: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ? وَلَوْ شِئْنَا