قال ابن العربي:"إن من زعم أن هذه الآية مجملة، فلم يفهم مقاطع الشريعة، فإن الله تعالى أرسل رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى قوم هو منهم بلغتهم، وأنزل عليهم كتابه تيسيرًا منه بلسانه ولسانهم، وقد كانت التجارة والبيع عندهم من المعاني المعلومة، فأنزل عليهم مبينًا لهم ما يلزمهم فيهما ويعقدونهما عليه، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء 29] ... إن جميع ما أحل الله لهم، أو حرم عليهم كان معلومًا عندهم؛ لأن الخطاب جاء فيه بلسانهم فقد أطلق لهم حل ما كانوا يفعلونه، من بيع وتجارة ويعلمونه، وحرم عليهم الربا، وكانوا يفعلونه، وحرم عليهم أكل المال بالباطل، وقد كانوا يفعلونه، ويعلمونه ويتسامحون فيه، ثم إن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يلقي إليهم زيادة فيما كان عندهم من عقد، أو عوض لم يكن عندهم جائزًا، فألقى إليهم وجوه الربا المحرمة في كل مقتات، وثمن الأشياء مع الجنس متفاضلًا، وألحق به بيع الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب، والبيع والسلف، وبين وجوه أكل المال بالباطل في بيع الغرر كله، أو ما لا قيمة له شرعًا فيما كانوا يعتقدونه متقومًا، كالخمر والميتة والدم وبيع الغش، ولم يبق في الشريعة بعد هاتين الآيتين بيان يفتقر إليه في الباب، وبقي ما وراءهما على الجواز، إلا أنه صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا يصح ستة وخمسون معنى نهى عنها" [1] .
(1) أحكام القرآن 1/ 321 - 323.