وأما الوجه الخامس، وهو أن المقصود بالبيع في قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ... الآية} البيع المعهود، وأن الألف واللام في لفظ (البيع) للعهد، فيجاب عنه أن ذلك يلزم منه أن جميع البيوع المحرمة قد ورد تحريمها قبل نزول الآية، وهذا يحتاج إلى دليل، كما أن القول بأن الألف واللام للعهد يحتاج إلى إثبات ذلك، ليكون قرينة إرادة العهد، وإلا فإن الأولى في الألف واللام كونها للجنس.
قال القرطبي:"والألف واللام للجنس، لا للعهد، إذ لم يتقدم بيع مذكور يرجع إليه" [1] .
ومن خلال ما سبق يندفع ما يتوهم من التعارض بين القرآن والسنة، في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.
موهم التعارض من السنة:
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا". يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين [2] .
وجه التعارض المتوهم:
في الآية الكريمة أمرٌ بكتابة الدين لحفظ الأموال، مما يدل على وجود الكتابة، والحديث يوهم نفي وجود الكتابة واستعمالها بين الناس [3] .
دفع موهم التعارض:
كانت الكتابة موجودة ومعروفة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويدل على وجودها شواهد كثيرة منها ما يلي:
(1) الجامع لأحكام القرآن 3/ 356.
(2) أخرجه البخاري في الصوم، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا نكتب ولا نحسب"، رقم (1913) 3/ 27، ومسلم في الصيام، رقم (1080) 2/ 759.
(3) وقد ذكر ما قد يتوهم من التعارض بين الآية والحديث ابن كثير في تفسيره 1/ 727.