فكأن كل واحد من الدليلين المتعارضين ظهر وبرز للدليل الآخر معارضًا له.
وهذه هي أشهر المعاني التي جاء بها التعارض في اللغة، وهي المعاني التي راعاها الأصوليون في تعريفاتهم المتعددة للتعارض اصطلاحًا - كما سيتضح ذلك في المطلب الثاني - وقد حاولت آنفًا بيان التناسب بين كل معنى لغوي وبين التعريف الاصطلاحي للتعارض عند الأصوليين.
المطلب الثاني
تعريف التعارض اصطلاحًا
تعددت تعريفات الأصوليين للتعارض، واختلفت عباراتهم فيها، إلا أن حقيقة التعارض عندهم واحدة لا تختلف؛ إذ إن التغاير - في الغالب - كان في الصياغة اللفظية فقط، ولعل ذلك راجع إلى اختلافهم في عدد من المسائل المتعلقة بالتعارض، كما أن لكثرة معاني مادة (عرض) في اللغة أثرًا في ذلك، إذ راعى كل واحد منهم في بنائه للتعريف معنى لغويًا مختلفًا عن الآخر.
ومن تلك التعريفات تعريف السرخسي [1] للتعارض بأنه:"تقابل الحجتين على سبيل المدافعة والممانعة" [2] .
وعرفه ابن السبكي [3] بقوله:"التعارض بين الشيئين هو تقابلهما على وجه يمنع كل منهما مقتضى صاحبه" [4] .
(1) السرخسي هو: أبو بكر محمد بن أحمد بن سهل السرخسي، شمس الأئمة، قاضي من كبار الأحناف، مجتهد سجن وأوذي، له شرح الجامع الكبير، وشرح مختصر الطحاوي وغيرهما، توفي سنة (483 هـ) . انظر: الجواهر المضية في تراجم الحنفية للقرشي ص 28، معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة 3/ 52.
(2) أصول السرخسي 2/ 12.
(3) ابن السبكي: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر، أصولي فقيه مؤرخ، له جمع الجوامع، وطبقات الشافعية الكبرى وغيرهما، توفي سنة (771 هـ) . انظر: الدرر الكامنة لابن حجر 2/ 425، شذرات الذهب لابن العماد 3/ 221.
(4) الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 273.