ويندفع ذلك التعارض بمعرفة أن المنطوق مقدم على المفهوم، وأن الاستدلال بمفهوم المخالفة، واعتباره طريقًا للدلالة على الأحكام عند من يقول به - وهم جمهور العلماء [1] - يشترط له شروط منها ما يتعلق بهذه المسألة [2] ، وهي ما يلي:
1 -أن لا يوجد في المسكوت المراد إعطاؤه حكمًا - هو ضد حكم المنطوق - دليل خاص يدل على حكمه، فإن وجد هذا الدليل الخاص فهو طريق الحكم، لا مفهوم المخالفة.
2 -أن لا يكون للقيد الذي قيد به النص، فائدة أخرى غير إثبات خلاف حكم المنطوق للمسكوت؛ وذلك كالترغيب، أو الترهيب، ونحو ذلك، وأن لا يكون ذكر القيد في النص قد خرج مخرج الغالب.
المطلب الثامن
الاحتجاج بشرع من قبلنا
ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تتناول أحوال الأمم الماضية وآثارهم، وآيات أخرى تتحدث عن النبوات السابقة، وتذكر طرفًا من الشرائع التي شرعها الله لهم يتعبدون بها، ويتحاكمون إليها، كما قال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] .
(1) وقد ذهب الأحناف وابن حزم إلى أن مفهوم المخالفة لا يعتبر حجة، ولا يعد طريقًا من طرق الدلالة على الأحكام. انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3/ 72، إرشاد الفحول للشوكاني 2/ 39، تفسير النصوص ل.د. محمد أديب الصالح 1/ 667، تلقيح الفهوم بالمنطوق والمفهوم ل د. عبد الفتاح الدخميسي ص 140.
(2) انظر شروط الأخذ بمفهوم المخالفة فيما يلي: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3/ 76 - 80، أصول الفقه لابن مفلح 3/ 1065 وما بعدها، إرشاد الفحول للشوكاني 2/ 769 - 771، تفسير النصوص ل د. محمد أديب الصالح 1/ 672، دليل الخطاب ل د. عبد السلام راجح ص 199 - 207.