والسبب في إيهام التعارض بين الآية والحديث هو كون هذه الآية تتحدث عن شيء من شرع من قبلنا مما نسخ في شريعتنا، فمن يجهل ذلك النسخ فإنه ينشأ عنده إيهام تعارض بين الآية والحديث [1] .
المطلب التاسع
اختلاف الموضوع
يأتي في القرآن الكريم والسنة النبوية نصان يوهم ظاهرهما التعارض؛ نظرًا لتوهم اتحاد الموضوع الذي تتحدث عنه الآية والحديث، ولكن بعد التأمل والتدبر والنظر في معنى الآية والحديث يتبين أن الآية في موضوع والحديث في موضوع آخر.
وهذا الأمر يدعو إلى ضرورة مراجعة ما كتبه أهل العلم من المفسرين والمحدثين وغيرهم حول الآية والحديث لبيان معناهما، وإزالة ما قد يتوهم من التعارض فيما بينهما.
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [البقرة: 253] مع حديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تفضلوا بين أنبياء الله" [2] ، وحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا تخيروا بين الأنبياء" [3] .
حيث يبدو للناظر في هذه النصوص من القرآن والسنة أن الآية الكريمة تثبت أن الرسل متفاضلون؛ مما يدل على جواز التفضيل بين الأنبياء والرسل، والأحاديث فيها النهي عن التفضيل بين الأنبياء والمرسلين.
(1) وقد دفع ابن كثير ما يتوهم من التعارض بين هذه الآية وحديث أنس - رضي الله عنه - وما في معناه من الأحاديث، فقال في تفسيره 4/ 414:"وهذا الدعاء يحتمل أن يوسف عليه السلام قاله عند احتضاره ... ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا حان أجله وانقضى عمره، لا أنه سأل ذلك منجزًا ... ويحتمل أنه سأل ذلك منجزا ً، وكان ذلك سائغًا في ملتهم ... ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا".
(2) سيأتي تخريجه في الموضع رقم (24) ص 257.
(3) سيأتي تخريجه في الموضع رقم (24) ص 257.