وأما الوجه الرابع، وهو أن حديث المغيرة - رضي الله عنه - محمول على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان به مرض، فلم يستطع كشف رأسه كله، فمسح على ناصيته، فقد رده الجصاص بقوله:"إنه لو كان هناك ضرورة لنقلت كما نقل غيرها ... ولو ساغ هذا التأويل في مسح الناصية، لساغ في المسح على الخفين، حتى يقال: إنه مسح لضرورة" [1] .
ويمكن أن يقال: إن المرض لا يمنع إدخال اليد تحت العمامة، واستيعاب الرأس بالمسح، ففعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لم يكن لمرض وضرورة، بل كان لبيان جواز ذلك، وأنه يقوم مقام تعميم الرأس بالمسح.
وبهذا يندفع ما قد يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} وحديث المغيرة - رضي الله عنه - وما في معناه من الأحاديث، والله تعالى أعلم.
موهم التعارض من السنة:
1 -عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا" [2] .
2 -عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن رجلًا من مزينة أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله كيف ترى في حريسة [3]
(1) أحكام القرآن 3/ 346.
(2) أخرجه البخاري في الحدود، باب قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} رقم (6789) 8/ 160، ومسلم، في الحدود، رقم (1684) 3/ 1312.
(3) حريسة: فعيلة بمعنى مفعولة؛ أي أن لها من يحرسها ويحفظها، ومنهم من يجعل الحريسة السرقة نفسها، يقال: حَرَسَ يحْرسُ حَرَسًَا إذا سرق فهو حارس ومحترس؛ أي ليس فيما يسرق من الجبل قطع.
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، مادة (حرس) .