أما ما ذكره بعض أهل العلم من الجمع، بحمل الآية على أن المراد بالإتمام فيها الإكمال بعد الشروع ففيه نظر؛ لأنه إذا كان معنى الآية كذلك فلا يوجد تعارض أصلًا بين قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ... الآية} وهذين الحديثين وما في معناهما من الأحاديث الدالة على أن العمرة ليست بواجبة؛ لأن الآية على هذا المعنى لا تدل على وجوب العمرة ابتداءً، كما تقدم.
وأما مسلك النسخ، فلم أجد من أشار إليه سوى الرازي، ورجحه كما تقدم، مع قوله إن هذين الحديثين من أخبار الآحاد فلا تعارض القرآن، وحكمه على حديث جابر - رضي الله عنه - بالضعف [1] ، وما دام أن الأمر كذلك فلا حاجة إلى القول بالنسخ، كما أن القول بالنسخ على فرض صحة الحديثين يلزم منه أن يكون هذان الحديثان متقدمين على نزول الآية، وهذا غير معلوم، والله تعالى أعلم.
19 -19 - قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] .
موهم التعارض من السنة:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حاصر ثقيفًا في الطائف [2] في الشهر الحرام [3] .
(1) انظر: التفسير الكبير 2/ 298.
(2) الطائف: مدينة معروفة في الحجاز، بينها وبين مكة (90) كيلو تقريبًا، غزاها النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة (9 هـ) وافتتحها صلحًا. انظر: معجم الأمكنة الواردة في صحيح البخاري لابن جنيدل ص 307 - 308.
(3) أخرج مسلم في كتاب الزكاة، رقم (1059) 2/ 737 عن أنس - رضي الله عنه - وقد ذكر غزوة حنين قوله:"ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة".
وقد ذكر المؤرخون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من مكة لقتال هوازن وثقيف، في السادس من شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة، ووصل إلى حنين في العاشر منه، ثم وقعت الغزوة وهزم المشركون وتفرقوا، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعقب الفارين، وقد لجأ بعض المشركين إلى أوطاس، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا عامر الأشعري - رضي الله عنه - لقتالهم، واستمر في طريقه إلى الطائف متعقبًا الفارين من حنين وأوطاس، ممن تحصنوا بالحصون المنيعة في الطائف، فحاصرهم أربعين ليلة، كما جاء في حديث أنس - رضي الله عنه -. وبهذا يتبين أن بعض أيام الحصار كانت في ذي القعدة بلا ريب.
راجع في ذلك: سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن هشام 4/ 65 - 68، 84، 122 - 128، زاد المعاد لابن القيم 3/ 340 - 341، البداية والنهاية لابن كثير 7/ 5 - 77، السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية ل د. مهدي أحمد ص 581 - 594.