فهرس الكتاب

الصفحة 426 من 660

وقد سلك أهل العلم مسلك الجمع بين الآية والحديث، وذكروا في ذلك وجوهًا منها ما يلي:

الوجه الأول: أن الآية من العام الذي أريد به الخصوص، فهي عامة في نهي الإنسان عن تمني ما فضل الله به غيره عليه، لكن أريد بها النهي عن الحسد المذموم خصوصًا، وهو تمني عين المتفضل به، دون تمني ما يماثله، بدليل ما جاء في السنة من جواز الغبطة والحض عليها.

وإذا كان النهي عن التمني في الآية الكريمة يراد به حالة واحدة من أحوال التمني، وهي الحسد الحقيقي المذموم، والحديث يحمل على حالة أخرى، وهي ما يعرف بالحسد المجازي أو الغبطة، فلا تعارض بين الآية والحديث.

وبهذا جمع ابن كثير حيث قال:"وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} قال: ولا يتمنى الرجل فيقول: ليت لو أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله، وكذا قال محمد بن سيرين والحسن والضحاك وعطاء نحو ذلك، وهو الظاهر من الآية، ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح - ثم ذكر الحديث - فإن هذا شيء غير ما نهت الآية عنه، وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا" [1] .

الوجه الثاني: أن الآية عامة في نهي الإنسان أن يتمني ما فضل الله به غيره عليه مطلقًا، سواء أكان التمني مصحوبًا بما يصير به من جنس الحسد، وهو أن يتمنى زوال ما وقع به التفضيل بأن يتمنى عينه، أم يتمنى مثله وهو ما يعرف بالغبطة، وما ورد في السنة من جواز ذلك في أمور معينة، يكون مخصصًا لهذا العموم، ولا تعارض بين عام وخاص، بل يحمل العام على الخاص.

ويؤيد ذلك أن (ما) في الآية موصولة، والموصولات من صيغ العموم.

وإلى هذا الوجه ذهب الشوكاني [2] .

التوجيه والترجيح:

(1) تفسير القرآن العظيم 2/ 287.

(2) انظر: فتح القدير 1/ 460.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت