والجمع الذي يظهر رجحانه - والله أعلم - هو ما تقدم ذكره في الوجه الأول من أوجه الجمع؛ وهو أن الآية عامة في انتقاض وضوء كل ملامس للمرأة كيف لامس، ويدخل في ذلك التقبيل، والأحاديث مخصصة لذلك العموم بأن الوضوء على بعض الملامسين، وهم من لمس بشهوة، دون غيرهم.
فالآية محمولة على الملامسة بشهوة، والأحاديث محمولة على الملامسة بغير شهوة، جمعًا بين النصوص من القرآن والسنة.
قال ابن رشد:"ذهب قوم إلى أن اللمس الموجب للطهارة في آية الوضوء هو الجماع في قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} ، وذهب آخرون إلى أنه اللمس باليد، ومن هؤلاء من رآه من باب العام أريد به الخاص، فاشترط فيه اللذة، ومنهم من رآه من باب العام أريد به العام فلم يشترط اللذة فيه، ومن اشترط اللذة، فإنما دعاه إلى ذلك ما عارض عموم الآية، من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلمس عائشة عند سجوده بيده، وربما لمسته" [1] .
وأما الوجه الثاني من أوجه الجمع؛ وهو أن تحمل الأحاديث على وجود الحائل، فهو تكلف ومخالفة للظاهر، فالأصل عدم الحائل في الرجل واليد، كما أن الأصل في التقبيل يكون مباشرة وبدون خمار [2] .
قال الجصاص:"ولا يجوز حمله على أنه قبل خمارها وثوبها؛ لوجهين:"
أحدهما: أنه لا يجوز أن يحمل اللفظ على المجاز بغير دلالة؛ إذ حقيقته أن يكون قد باشر جلدها حيث قبلها، وما ذكره الخصم يكون قبلة لخمارها.
(1) بداية المجتهد (الهداية في تخريج البداية 1/ 340) .
(2) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5/ 227، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني 1/ 407، نيل الأوطار للشوكاني 1/ 245، حاشية السندي على سنن النسائي 1/ 102، تعليق أحمد شاكر على سنن الترمذي 1/ 142.