الذي يظهر - والله أعلم - أن ما تقدم في أوجه الجمع من المعاني، كلها محتملة وصحيحة، ويندفع بها ما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ... الآية} وقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"والشر ليس إليك"، إلا أن أقربها ما في الوجه الأول، وهو أن هناك فرقًا بين فعل الله الذي لا ينسب إليه الشر بوجه من الوجوه، وبين مفعوله ومخلوقاته التي قد يكون فيها شرًا، وذلك لا ينافي أن الخير والشر كله من الله عز وجل، وأنه تعالى مقدر وخالق كل منهما، وكون هذا الوجه أقرب من غيره؛ لأنه أعم وأشمل في تنزيه الله تعالى عن الشر، كما قال ابن القيم:"والشر ليس إليك، صحيح، وإن معناه أجل وأعظم من قول من قال: والشر لا يتقرب به إليك، وقول من قال: والشر لا يصعد إليك، وأن هذا الذي قالوه وإن تضمن تنزيهه عن صعود الشر إليه والتقرب به إليه، فلا يتضمن تنزيهه في ذاته وصفاته وأفعاله عن الشر، بخلاف لفظ المعصوم الصادق المصدق فإنه يتضمن تنزيهه في ذاته تبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه بوجه ما، لا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه وإن دخل في مخلوقاته" [1] .
(1) بدائع الفوائد 2/ 439.