فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 396

والمذاهب الثلاثة مروية عن أئمة أهل السنة والجماعة.

أما دليل الطائفة الثانية فهو من وجهين:

أولهما أن للاستواء أكثر من معنى في القرآن الكريم، فمنه الاستواء الحسي بمختلف معانيه ومنها العلو والارتفاع، ومنه الاستواء المعنوي في قوله سبحانه وتعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} . فاخذوا بهذا المعنى من كتاب الله عز وجل وبذلك تقيدوا كذلك بالآية المحكمة: {ليس كمثله شيء} .

وثانيهما أنه لا يقال مثلا للملك المقهور، إذا أسره العدو وجلبوا عرشه إلى سجنه فأجلسوه عليه، أنه استوى على العرش، بل ينبغي للاستواء بشأن العظام والملوك أن يحمل معاني الملك والقدرة، كل بحسبه (أي أن استواء الشاب هو كمال نموه، واستواء الملك هو استيلاؤه على ملكه الحسي، واستواء الله عز وجل إذا فسر بالقدرة والاستيلاء فهو كما يليق بصفاته، فلا يشاركه خلقه في معاني الاستواء، كما إنهم لا يشاركوه في معاني القدرة والرحمة والسمع والبصر، إلا بمجرد توافق بين الكلمات) .

وبسبب إنكار بعض أفراد هذه المذاهب على غيرها، نذكر قول العديد من العلماء، منهم الإمام النووي في شرح صحيح مسلم، ومنهم الإمام ابن تيمية بعده، أن الإنكار هو في ما أجمع عليه، وأما ما لا إجماع عليه، فلا إنكار فيه. ولا مندوحة من اتباع كلامهم، وإلا فيكون صاحب كل مذهب قد تحكّم [جعل نفسه الحَكَمَ الفاصل] في موضوع الخلاف، وهذا مما يشتت الأمة ويفرقها، قال الله تعالى: { ... أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} .

وليس معنى التفريق المنهي عنه هو اختلاف الاجتهاد، حيث قد اختلف الصحابة في الاجتهاد (مثلا في قوله صلى الله عليه وسلم: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة، وأقرهم النبي على ذلك بسكوته) ، وإنما التفريق المنهي عنه هو التكفير والاتهام بالضلالة، بدليل معنى الكلمة في قوله تعالى: { ... ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض} .

مشروع المحدث]

فهو سبحانه كما أخبر عن نفسه فوق مخلوقاته مستو على عرشه وقد عبر أهل السنة عن ذلك بأربع عبارات ومعناها واحد وقد ذكرها ابن القيم في النونية حيث قال:

فلهم عبارات عليها أربع ... قد حصلت للفارس الطعان

وهي استقر وقد علا وكذلك ار ... تفع الذي ما فيه من نكران

وكذاك قد صعد الذي هو رابع ... وأبو عبيدة صاحب الشيباني

يختار هذا القول في تفسيره ... أدرى من الجهمي بالقرآن

والأشعري يقول تفسير استوى ... بحقيقة استولى من البهتان

[ليس من البهتان بل هو تنزيه لله سبحانه: {ليس كمثله شيء}

فإن مذهب الأشعرية لا يشتمل على إنكار الاستواء، بل على تأويله تأويلا سائغا في مناهج المفسرين.

ومع أن من الأشاعرة من فسر الاستواء بالاستيلاء، غير أن أبا الحسن الأشعري نفسه قال في"الإبانة":

وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن الممارسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت