فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 396

ومعنى ذلك: وأنفقوا في إعزاز ديني الذي شرعته لكم بجهاد عدوّكم الناصبين لكم الحرب على الكفر بي ونهاهم أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، فقال: وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلى التّهْلُكَة. وذلك مثلٌ، والعرب تقول للمستسلم للأمر: أعطى فلان بيديه، وكذلك يقال للممكن من نفسه مما أريد به أعطى بيديه.

فمعنى قوله: وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلى التّهْلُكَة ولا تستسلموا للهلكة فتعطوها أزمتكم فتهلكوا والتارك النفقة في سبيل الله عند وجوب ذلك عليه مستسلم للهلكة بتركه أداء فرض الله عليه في ماله. وذلك أن الله جل ثناؤه جعل أحد سهام الصدقات المفروضات الثمانية في سبيله، فقال: إنّمَا الصّدَقاتُ للفُقَراءِ وَالمَساكِين إلى قوله: وفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فمن ترك إنفاق ما لزمه من ذلك في سبيل الله على ما لزمه كان للهلكة مستسلما وبيديه للتهلكة ملقيا. وكذلك الاَيس من رحمة الله لذنب سلف منه، ملق بيديه إلى التهلكة، لأن الله قد نهى عن ذلك فقال: وَلا تَيأسُوا مِنْ رَوحِ اللّهِ إنّهُ لا يَيْأسُ مِنْ رَوْحِ اللّهِ إلاّ القَوْمُ الكافِرُونَ. وكذلك التارك غزو المشركين وجهادهم في حال وجوب ذلك عليه في حال حاجة المسلمين إليه، مضيع فرضا، ملق بيده إلى التهلكة.

فإذا كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلى التّهْلُكَةِ ولم يكن الله عزّ وجل خصّ منها شيئا دون شيء، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة، وهي العذاب، بترك ما لزمنا من فرائضه، فغير جائز لأحد منا الدخول في شيء يكره الله منا مما نستوجب بدخولنا فيه عذابه. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي. كما:

2632 ـ حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إلى التّهْلُكَةِ قال: التهلكة: عذاب الله.

قال أبو جعفر: فيكون ذلك إعلاما منه لهم بعد أمره إياهم بالنفقة ما لمن ترك النفقة المفروضة عليه في سبيله من العقوبة في المعاد.

فإن قال قائل: فما وجه إدخال الباء في قوله: وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ وقد علمت أن المعروف من كلام العرب ألقيت إلى فلان درهما، دون ألقيت إلى فلان بدرهم؟ قيل: قد قيل إنها زيدت نحو زيادة القائل في الباء في قوله: جذبت بالثوب، وجذبت الثوب، وتعلقت به، وتعلقته، وتَنْبُتُ بالدّهْنِ وإنما هو تُنِبت الدهنَ.

وقال آخرون: الباء في قوله: وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ أصل للكلمة، لأن كل فعل واقع كُني عنه فهو مضطّر إليها، نحو قولك في رجل: «كلّمته» ، فأردت الكناية عن فعله، فإذا أردت ذلك قلت: «فعلت به» قالوا: فلما كان الباء هي الأصل جاز إدخال الباء وإخراجها في كل فعل سبيله سبيل كلمته. وأما التهلكة، فإنها التفعلة من الهلاك.

القول في تأويل قوله تعالى: وأحْسِنُوا إنّ اللّهَ يُحِبّ المُحْسِنينَ.

يعني جل ثناؤه بقوله: وأحْسِنُوا أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنب ما أمرتكم بتجنبه من معاصيّ، ومن الإنفاق في سبيلي، وعود القويّ منكم على الضعيف ذي الخَلّة، فإني أحبّ المحسنين في ذلك. كما:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت