فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 396

مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: 26: 28] .

ومعلوم أن الذين خرقوا له بنين وبنات بغيرعلم، والذين قالوا: ولد الله، وإنهم لكاذبون، والذين قالوا: المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، لم يرد عقلاؤهم ولادة حسية، من جنس ولادة الحيوان بانفصال جزء من ذكره في أنثاه، يكون منه الولد، فإن النصارى والصابئين متفقون على نفي ذلك وكذلك مشركو العرب، ما أظن عقلاءهم كانوا يعتقدون ذلك، وإنما وصفوا الولادة العقلية الروحانية، مثل ما يقوله النصارى: إن الجوهر الذي هو الله من وجه، وهو الكلمة من وجه، تدرعت بإنسان مخلوق من مريم، فيقولون: تدرع اللاهوت بالناسوت، فظاهره ـ وهو الدرع والقميص ـ بشر، وباطنه ـ وهو المتدرع ـ لاهوت، هو الابن الذي هو الكلمة لتولد هذا من الأب الذي هو جوهر الوجود.

فهذه البنوة مركبة عندهم من أصلين:

أحدهما: أن الجوهر الذي هو الكلمة تولد من الجوهر الذي هو الأب، كتولد العلم والقول من العالم القائل.

/والثاني: أن هذا الجوهر اتحد بالمسيح وتدرع به، وذلك الجوهر هو الأب من وجه، وهو الابن من وجه، فلهذا حكى الله عنهم، تارة أنهم يقولون: المسيح ابن الله، وتارة أنهم يقولون: إن الله هو المسيح ابن مريم.

وأما حكايته عنهم أنهم قالوا: {إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} [المائدة: 73] ، فالمفسرون يقولون: الله والمسيح وأمه، كما قال: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ} [المائدة: 116] ، ولهذا قال في سياق الكلام: {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} [المائدة: 75] أي غاية المسيح: الرسالة، وغاية أمه: الصديقية، لا يبلغان إلى اللاهوتية، فهذا حجة هذا، وهو ظاهر.

ومن الناس من يزعم أن المراد بذلك الأقانيم الثلاثة، وهي الآب والابن وروح القدس، وهذا فيه نظر.

فأما قوله: {وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إني يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عليمٌ} [الأنعام: 100، 101] فإن قوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي مبدعهما، كما ذكر مثل ذلك في البقرة، وليس المراد أنهما بديعة سمواته وأرضه، كما تحتمله العربية لولا السياق؛ لأن المقصود نفى ما زعموه من خرق البنين والبنات له، ومن كونه اتخذ ولدًا. / وهذا ينتفي بضده كونه أبدع السموات، ثم قال: {إني يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} وذكر ثلاثة أدلة على نفي ذلك:

أحدها: كونه ليس له صاحبة، فهذا نفي الولادة المعهودة: وقوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} نفى للولادة العقلية، وهي التولد؛ لأن خلق كل شيء ينافى تولدها عنه. وقوله: {وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عليمٌ} يشبه ـ والله أعلم ـ أن يكونَ لِمَا ادَّعَت النَّصَارَى أن المتحد به هو الكلمة التي يفسرونها بالعلم، والصابئة القائلون بالتولد والعلة، لا يجعلونه عالما بكل شيء ـ ذكر أنه بكل شيء عليم، لإثبات هذه الصفة له، ردًا على الصابئة، ونفيها عن غيره ردًا على النصارى.

وإذا كان كذلك فقول من قال بتولد العقول والنفوس ـ التي يزعمون أنها الملائكة ـ أظهر في كونهم يقولون: إنه ولد الملائكة، وإنهم بنوه وبناته فالعقول بنوه، والنفوس بناته من قول النصارى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت