فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 396

ودخل في هذا من تفلسف من المنتسبة إلى الإسلام، حتى إني أعرف كبيرًا لهم سئل عن العقل والنفس فقال: بمنزلة الذكر والأنثى، فقد جعلهم كالابن والبنت، وهم يجعلونهم متولدين عنه تولد المعلول عن العلة، فلا يمكنه أن يفك ذاته عن معلوله ولا معلوله عنه، كما لا يمكنه أن يفصل نفسه عن نفسه، بمنزلة شعاع الشمس مع الشمس وأبلغ.

/ وهؤلاء يقولون: إن هذه الأرواح التي ولدها متصلة بالأفلاك ـ الشمس والقمر والكواكب ـ كاتصال اللاهوت بجسد المسيح، فيعبدونها كما عبدت النصارى المسيح، إلا أنهم أكفر من وجوه كثيرة، وهم أحق بالشرك من النصارى، فإنهم يعبدون ما يعلمون أنه منفصل عن الله وليس هو إياه، ولا صفة من صفاته، والنصارى يزعمون أنهم ما يعبدون إلا ما اتحد بالله، لا لما ولده من المعلولات.

ثم من عَبَدَ الملائكة والكواكب وأرواح البشر وأجسادهم، اتخذ الأصنام على صورهم وطبائعهم، فكان ذلك أعظم أسباب عبادة الأصنام.

ولهذا كان الخليل إمام الحنفاء مخاطبًا لهؤلاء الذين عبدوا الكواكب والشمس والقمر، والذين عبدوا الأصنام مع إشراكهم واعترافهم بأصل الجميع.

وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير موضع، وأولئك هم الصابئون المشركون الذين ملكهم نمروذ. وعلماؤهم الفلاسفة من اليونانيين وغيرهم، الذين كانوا بأرض الشام والجزيرة والعراق وغيرها، وجزائر البحر قبل النصارى، وكانوا بهذه البلاد في أيام بني إسرائيل، وهم الذين كانوا يقاتلون بني إسرائيل، فيغلبون تارة ويُغلبون تارة، وسنحاريب وبختنصر ونحوهما: هم ملوك الصابئة بعد الخليل، والنمروذ الذي كان في زمانه.

/ فتبين بذلك ما في القرآن من الرد لمقالات المتقدمين قبل هذه الأمة والكفار والمنافقين فيها، من إثبات الولادة لله، وإن كان كثير من الناس لا يفهم دلالة القرآن على هذه المقالات؛ لأن ذلك يحتاج إلى شيئين: إلى تصور مقالتهم بالمعنى لا بمجرد اللفظ، وإلى تصور معنى القرآن، والجمع بينهما. فتجد المعنى الذي عنوه قد دل القرآن على ذكره وإبطاله.

وأما اتحاد الولد فيفسر بعين الولادة. وهو من باب الأفعال، لا من باب الصفات، كما يقوله طائفة من النصارى في المسيح.

/فصل

الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان:

أحدهما: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى ـ بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة ـ كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء اللّه الحسنى، وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم وأسماء القرآن، فإن أسماء اللّه كلها تدل على مسمى واحد، فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضادًا لدعائه باسم آخر، بل الأمر كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] .

وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة، وعلى الصفة التي تضمنها الاسم، كالعليم يدل على الذات والعلم، والقدير يدل على الذات والقدرة، والرحيم يدل على الذات والرحمة. ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي الظاهر، فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة الذين يقولون: لا يقال: هو حي، ولا ليس بحي، بل ينفون عنه النقيضين؛ فإن أولئك القرامطة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت